سيادة دولة قطر تُقصف..ودبلوماسية الحليف الأمريكي تراوح الأسف..

admin
2025-09-10T01:16:18+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin10 سبتمبر 2025آخر تحديث : منذ 6 أشهر
سيادة دولة قطر تُقصف..ودبلوماسية الحليف الأمريكي تراوح الأسف..
  • مصطفى قشنني

في زمنٍ صار فيه المنطق ضيفًا ثقيلًا على موائد السياسة الإقليمية أو الدولية ، لا أحد يعرف حقيقة ما يجري، ولا أحد يريد أن يعرف. الشرق الأوسط لم يعد رقعة جغرافية، بل مسرحًا عبثيًا تُدار فيه الحروب بالريموت كنترول، وتُوزع فيه الأدوار حسب المزاج الأمريكي، وتُكتب فيه نهايات المشاهد قبل أن تبدأ. إسرائيل تضرب، أمريكا تبرر، قطر تتألم، وترامب يُلقي الأسف كما يُلقي منديلًا على وجه جثة السيادة.

نتنياهو، ذلك الممثل الذي لا يخرج من دوره، يضرب من داخل دولة ذات سيادة، ويزمجر كما لو أن العالم كله غرفة نومه. إسرائيل تخبر أمريكا، وأمريكا تخبر قطر، وقطر تخبر نفسها أن السيادة ليست أكثر من شعار على بوابة مطار. الإعلام؟ لا بأس، سيُخبرنا بعد دقائق من الهجوم أن “الضربة كانت دقيقة”، وأن “الهدف كان إرهابيًا”، وأن “العملية تمت بتنسيق مسبق”، رغم أن قطر نفسها كانت تعلم –حسب الرواية الأمريكية – أو لم تكن تعلم أنها ستُقصف وهي ترتشف دبلوماسيتها على مائدة التفاوض.

ترامب، الذي يُجيد فن التطمين كما يُجيد فن الإنكار، اتصل بقادة قطر ليقول لهم إن الاعتداء لن يتكرر. وكأن الضربة كانت زلة لسان، أو نوبة غضب عابرة من طفل مدلل اسمه نتنياهو. ثم، في مشهد لا يخلو من الكوميديا السوداء، أمر وزير خارجيته روبيو بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك. الدفاع عن من؟ عن قطر التي ضُربت؟ أم عن إسرائيل التي ضربت؟ أم عن الكذبة التي تُسمى “تحالف استراتيجي”؟

الولايات المتحدة، التي تعتبر أمنها من أمن إسرائيل، ترسل آلاف الأطنان من الأسلحة إلى تل أبيب، وتُفرط في ربيبتها الخليجية حين تُصبح الضحية غير مناسبة للسردية. قطر، التي احتفظت بحق الرد، تُشبه رجلًا تلقى صفعة وقال: “سأرد حين أكون جاهزًا”، ثم جلس ليكتب بيانًا إلى مجلس الأمن، وهو يعلم أن الفيتو الأمريكي سيُصفعه مرة أخرى، لكن هذه المرة بلغة دبلوماسية.

أي رد سترد به قطر؟ هل ستقصف تل أبيب؟ هل ستُغلق قاعدة العيديد؟ هل ستُطرد الراديكاليين الذين تجمعهم كما تُجمع أوراق اللعب؟ أم ستُصدر بيانًا شديد اللهجة، ثم تُعيد ترتيب أوراقها لتلعب من جديد؟ قطر، التي تُجيد فن التوازن على حبل مشدود بين إيران وأمريكا، بين حماس وطالبان، بين الجزيرة والجزيرة الأخرى، لا تملك رفاهية الرد، بل تملك حق الاحتفاظ به، كمن يحتفظ بصورة حبيب راحل في محفظته.

الضربة الإيرانية السابقة على قاعدة العيديد كانت صفعة أخرى، لكن قطر لم ترد. اكتفت بالدهشة، ثم بالتصريحات، ثم بالصمت. الآن، بعد الضربة الإسرائيلية، تريد التوجه إلى مجلس الأمن، وكأن المجلس سيُعيد لها كرامتها، أو يُعيد ترتيب ميزان القوى. لكنها تعلم، كما نعلم، أن الفيتو الأمريكي سيُغلق الباب، وسيُطفئ الأنوار، وسيُخبرها أن الأسف هو أقصى ما يُمكن أن يُقدمه ترامب، ذلك الرجل الذي يُدير السياسة كما يُدير صفحته على “إكس”، بتغريدة، أو بتنهيدة، أو بغمزة.

الدول العربية، أو كثير منها، لم تفهم بعد أن السياسة الأمريكية ليست مبنية على المبادئ، بل على الحربائية و الانقلاب في المواقف حسب ميزان المال والمصالح. اليوم تُدين، غدًا تُبرر، وبعد غد تُنسى. لكن حين تدخل إسرائيل على الخط، كل شيء يتغير. يصبح الدم ماءً، وتُصبح السيادة نكتة، وتُصبح القوانين الدولية أوراقًا تُستخدم لتغليف الأسلحة.

إسرائيل لا تُحاسب، لأنها ليست دولة، بل فكرة. فكرة أن القوة تُبرر كل شيء، وأن الحليف الأمريكي سيُغطي كل شيء، وأن الضربات الجوية هي لغة التفاوض الوحيدة. وترامب، الذي يُجيد فن التناقض، يتأسف على الهجوم في اتصال، ويُبرره في تصريح، ويُنسى في تغريدة. أما قطر، فهي تُعيد ترتيب أوراقها، تُعيد حساباتها، تُعيد النظر في تحالفاتها، لكنها لا تُعيد الضربة، لأنها تعرف أن الرد ليس في يدها، بل في يد من يملك الفيتو، ومن يملك الطائرات، ومن يملك السردية.

السياسة الدولية اليوم تُشبه مسرحًا من العبث، حيث يُصفق الجمهور للصفعة، ويُصفق الضحية للأسف، ويُصفق الحاكم للضربة، ويُصفق الإعلام للبيان. أما الحقيقة، فهي تُصفق وحدها، في زاوية مظلمة، تنتظر من يُنصت لها، لا من يُصفق لها.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.