- مصطفى قشنني
في زمنٍ تتآكل فيه الطبقات الوسطى، وتُسحق فيه أحلام الشباب تحت وطأة البطالة والتهميش، خرج علينا عرس زغنغان كعرضٍ استعراضي فجّ، لا يراعي لا مشاعر وطنٍ يئن، ولا قوانين دولةٍ تحاول أن تنهض. لم يكن مجرد حفل زفاف، بل كان إعلانًا صريحًا عن وجود طبقة فوق القانون، طبقة تملك المال والنفوذ، وتستعرضه بلا خجل، وكأنها تقول لنا: “نحن هنا، ونحن من يحكم”.
المشهد كان سرياليًا: عشرات السيارات الفارهة، من “الهامر” إلى “البورش”، تصطف في موكبٍ أشبه بموكب دخول الجولاني إلى دمشق، لا بعرسٍ في إقليم الناظور. الأمن حاضر، نعم، لكن ليس ليوقف المطلوبين للعدالة، بل لينظم المرور، وكأننا في مهرجان سينمائي عالمي، لا في مناسبة تضم أسماءً يعرفها الجميع، ويخشى ذكرها البعض. في ذلك اليوم، لم تُزف العروس فقط، بل زُفّت معها كرامة القانون، وهي تجر أذيال الخيبة خلف موكبٍ من الفساد العلني.
كيف نبتت هذه الفطريات السامة في تربة مجتمعنا؟ من سقاها؟ من سمح لها أن تنمو وتزدهر حتى باتت تملك أموال قارون وتتباهى بها في وضح النهار؟ مجرد سؤال بريء، أو ربما ساخر، لأن الإجابة غالبًا ما تُدفن تحت أكوام من “التحقيقات الجارية” و”السرية القضائية”. هؤلاء البارونات لا يكتفون بإفساد الاقتصاد، بل يفسدون القيم، ويشوهون الأعراف، ويحولون القانون إلى نكتة تُروى في مجالسهم الخاصة.
الرقص في ذلك العرس لم يكن على أنغام موسيقى (كَعكَع يا زوبيدة …) ، بل على جراح آلاف الأسر التي فقدت أبناءها بسبب المخدرات والتهريب والانحراف. هؤلاء لا يرقصون فرحًا، بل يرقصون انتصارًا على دولةٍ لم تستطع أن توقفهم عند حدودهم، ولم تجرؤ على مساءلتهم. أما الشباب الذين يُطلب منهم أن يحلموا، أن يدرسوا، أن يصبروا، فقد شاهدوا بأم أعينهم أن الطريق إلى “الهامر” لا يمر عبر الجامعة، بل عبر طرقٍ ملتوية، لا تُدرس في المناهج الرسمية.
نحن لا نطلب المستحيل. فقط نريد أن نرى القانون يُطبق على الجميع، لا أن يتحول إلى ديكور يُستخدم لتزيين خطابات رسمية. نريد أن نرى آلة أمنية لا تكتفي بتنظيم المرور، بل تقتحم موكب الفساد وتوقفه قبل أن يتحول إلى طوفان يجرف ما تبقى من قيمنا. نريد أن نرى الدولة التي يريدها جلالة الملك، دولة قوية، عادلة، لا تهادن الفساد ولا تتسامح مع المستهترين.
عرس زغنغان كشف المستور، وأظهر أن هناك من يرقص على جراحنا، ومن يصفق له، ومن يكتفي بالمشاهدة. لكننا نرفض أن نكون جمهورًا في مسرحية عبثية تُكتب فصولها بدموع الضحايا. إما أن نكون دولة قانون، أو نتحول إلى حلبة صراع بين المافيا والعدالة، حيث لا ينتصر إلا من يملك المال، لا من يملك الحق.
إنه العبث، والعبث لا يُواجه بالبيانات الباردة (رغم أن النيابة العامة لم تخرج بأي بلاغ في الموضوع)، بل بالحسم، بالمحاسبة، وبالضرب بيدٍ من حديد على كل من يظن أن الوطن مزرعة خاصة، وأن القانون مجرد ديكور. فإما أن ننهض، أو نُدفن تحت ركام حفلاتهم الصاخبة.
ما حدث في زغنغان ليس استثناءً، بل هو تجسيد صارخ لواقعٍ يتكرر بصيغ مختلفة: بارونات يملكون ما لا يملكه بنك المغرب، سيارات تساوي ميزانية مستشفى، وشعارات خطيرة تُطرّز على لوحات معدنية وكأنها أوسمة شرف. كل هذا يحدث بينما المواطن البسيط يُحاسب على مخالفة مرورية، ويُسجن إن تأخر في دفع فاتورة بسيطة.
السلطات الأمنية تبذل مجهودات لا تُنكر، لكن حين يُترك المطلوبون للعدالة يرقصون في عرسٍ علني، فإننا لا نملك إلا أن نغضب. غضبٌ لا يُطفئه تصريح، ولا يُهدّئه تبرير. غضبٌ مشروع، لأننا نريد أن نعيش في وطنٍ لا يُكافئ الفساد، ولا يُصفق للمفسدين.
في النهاية، يبقى السؤال: هل نحن أمام لحظة فاصلة؟ هل ستتحرك الدولة لتعيد الهيبة للقانون؟ أم سنكتفي بالتفرج، ونترك المافيا ترقص على جراحنا؟ الجواب ليس في المقالات، بل في الأفعال. في القرارات التي تُتخذ، في المحاسبة التي تُفرض، وفي الإرادة التي تُترجم إلى واقع.
صدّقوني، إذا استمر الرقص فوق القانون، فلن يبقى لنا سوى التصفيق للخراب، والوقوف في طابور طويل لدفن الوطن.
وكل وطن وأنتم ..تصبحون على خير..








PAIXمنذ 7 أشهر
Le simple citoyen, lorsqu’il commet une infraction routière, est immédiatement sanctionné. En revanche, ceux qui occupent les hautes sphères et se nourrissent des blessures des autres échappent à toute punition. Alors, dites-moi, Monsieur le RESPONSABLE :
où se cache la loi »?