أطياف لومومبا وشفاه “مول البومبا”.. سيرة الغضب بين الرمز والوقود..

admin
2026-01-18T18:02:37+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin18 يناير 2026آخر تحديث : منذ شهرين
أطياف لومومبا وشفاه “مول البومبا”.. سيرة الغضب بين الرمز والوقود..
  • مصطفى قشنني

في مدرجات كرة القدم بمناسبة تنظيم “الكاف”، حيث تذوب الفوارق الطبقية وتتجرد الأرواح من ثيابها الرسمية، تظهر أحياناً شخصيات تختصر برمزيتها دروساً في الإنسانية. كان ظهور المشجع المتشبه بالزعيم الكونكَولي الأفريقي الخالد باتريس لومومبا إحدى تلك اللحظات العفوية النادرة. لم يكن مجرد رجل يرتدي زياً، بل كان تجسيداً حياً لرمز الكفاح من أجل الكرامة والحرية، قيم تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. فالتف حوله الجمهور المغربي بحفاوة وتعاطف، لأن روح المقاومة والكرامة الإفريقية التي يمثلها لومومبا تجد صداها في لاوعي شعوب طالما ناضلت من أجل هويتها وحريتها. إنه الجمال الخام للرياضة في أبهى صوره: قدرتها على تحويل المدرج إلى منصة للقيم النبيلة.

لكن العقل الجمعي المغربي، الذي لا يعرف الكسل، سرعان ما حوّل هذه الصورة الإنسانية المرتفعة السامية إلى مرآة عاكسة لواقعه المرير. فبين لحظة وأخرى، وبلمسة سحرية من “عبقرية” السخرية الشعبية، وُلد “البا عزيز مول البومبا”. الاسم نفسه يحمل رائحة الشارع وملح الفكاهة السوداء. “البا” ذلك اللقب الحميمي الذي يسبق اسم الجد أو الرجل الحكيم، مقروناً “بمول البومبا”

“البومبا” هنا هي اللفظة الدارجة، تخصّ محطة ضخّ الوقود. و “مول البومبا”، أي صاحب محطة البنزين. وهذه ضربة ساخرة مباشرة في الصميم: فالشخصية التي يشيرون إليها هي من  تتربّع على كرسي المسؤولية الحكومية الرفيعة،  وهي من تتحكّم في أسعار واقتصاديات كل ما يُضخّ من تلك “البومبات” في جميع أرجاء البلاد.

هنا تكمن القوة الجراحية لهذه السخرية. إنها ليست تهريجاً عادياً، بل هي عملية تشريح رمزي دقيقة. فـ”البا عزيز” هذا ليس بائعاً متجولاً؛ إنه الرمز المادي لسلسلة اقتصادية معقدة أو بلغة واضحة فصيحة من يزاوج بين المال والسلطة.، والجمهور بتلقائيته المذهلة، قرر أن يختزل كل سرديات السلطة والاقتصاد والسياسة في هذه الصورة: الرجل الذي كان يجلس على كرسي القرار الحكومي الرفيع، مُنظِّماً وموزعاً ومراقباً، قد تحول في مخيلتهم إلى مجرد “مول البومبا”، ينتظر الزبون ليُشغل المضخة ويحصّل الثمن. إنها عملية تجريد من الدرجة الأولى: تجريد السياسي من بزته الرسمية، وخطاباته، واجتماعاته الدولية، وإعادته إلى جوهر الفعل الاقتصادي الخام: بيع وقود. والسؤال الساخر المُضمَّن هو: هل كنت تخدم الصالح العام أم كنت تدير محطة وقود وطنية كبيرة لمصلحتك؟ لقد حولت “الهجاوة” الشعبية اتهام تضارب وتناطح وتَناتُف المصادر، بكل تعقيداتها القانونية والاقتصادية، إلى مشهد يومي مألوف ومهين. المشهد يقول: انظروا، الإمبراطور لا ثياب عليه؛ إنه فقط رجل عند المضخة.

هذا التحول من “الوزير” إلى “المول” هو أحد أعظم إنجازات المخيال الشعبي النقدي. إنه يسحب البساط من تحت أقدام لغة السلطة المغلقة، لغة “الليبرالية الاقتصادية” و”أسعار السوق الدولية” و”ضبط الأسعار”، ويستبدلها بلغة السوق الحرفي: بائع، ومضخة، ودفعة نقدية. إنه يفضح التناقض الأخلاقي المهول في أن يكون من يشرع وينظم هو نفسه من يملك ويسيطر “اللاعاب أحميدة والرشام أحميدة”. وكأن الشارع يقول: لم نعد نفهم كل هذه المصطلحات المعقدة، ولكننا نرى النتيجة بوضوح: أنت من يربح حين ندفع أكثر، وأنت من يقرّر كم ندفع. لقد حولت السخرية مبدأ “تضارب المصالح” من مفهوم جامد في تقارير الحوكمة إلى دراما إنسانية مرئية يعيشها كل مواطن كلما مر بمحطة وقود. وحوّلت اللهط والجشع المُجرد قابلاً للرؤية والشم والتذوق كرائحة البنزين.

والعجيب أن هذه الشخصية الهزلية لم تظهر في فراغ. إنها تتوج تقليداً طويلاً من “هجاوة المغاربة”، التي تشكل نظاماً دفاعياً نفسياً واجتماعياً معقداً. إنها لغة مقاومة بلا عنف، ومحاكمة بلا قضاة، وفضح بلا منصة. في ثقافة تحترم الشكل والظاهر، تكون السخرية هي السلاح الذي يخترق الحجب ويلطخ الصورة المصقولة. عندما تتحول شخصية رسمية إلى “مول البومبا”، فإنها تُخرج من دائرة التبجيل إلى دائرة الازدراء اليومي. إنها آلية للاستيعاب والهضم: تحويل القوة المُهيبة إلى شيء مألوف، سخيف، ويمكن احتقاره. وفي هذا الاحتقار هزيمة رمزية كبرى.

والأكثر إثارة في هذا المشهد، هو التناقض التراجيكوميدي الحاد بين الرمزين: لومومبا و”مول البومبا”. الأول يمثل الحلم الأفريقي الخالص بثروات تتحرر وتعود لأهلها. والثاني يمثل الكابوس المحلي لثروات يُحكم التحكم فيها وتُوجه لصالح شبكات ضيقة. الصفارة الأولى كانت تحية لشهيد حارب من أجل أن تكون ثروات الكونغو للكونغوليين. والتهريجات التي تلتها كانت صفعة لواقع يشعر فيه الكثيرون بأن ثروات البلاد، أو التحكم فيها، ليس للجميع، بل لحفنة من “المّالين البومبات” بصورهم وأشكالهم المختلفة. إنه الحوار الأبدي بين المثال والواقع، بين البطل الذي يموت من أجل مبدأ، والتاجر الذي يزدهر على أنقاض المبدأ نفسه.

لذلك، فإن “البا عزيز مول البومبا” ليس نكتة عابرة. إنها وثيقة. إنها مصطلح أدخله الشارع إلى المعجم السياسي المغربي، وهو مصطلح حمّال لأوجه، يختصر الإحباط ويرسم صورة الذميمة ويسجل اتهاماً تاريخياً. حتى وإن السياسي المعني يستعد إلى مغادرة الواجهة في انتظار كومبارس جديد، فإن هذا الشبح الساخر سيبقى معلقاً في الهواء، كتحذير لكل من يليه: احذروا أن تتحولوا في عيون الناس إلى مجرد “مول” جديد لسلعة استراتيجية. إنها آلية مساءلة شعبية بديلة، حيث يكون الحكم هو الضحكة المريرة، والعقاب هو الخلود في سجن النكات.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.