- مصطفى قشنني
في قلب العاصفة التي لا تهدأ، حيث تُشعل فتيل الحرب الباردة في ساحات أمريكا اللاتينية، وتُجمّد التحالفات التاريخية في قارات الشمال، يطفو سؤال وجودي على السطح: ماذا تبقى من “الواقع” حين تصبح السياسة فناً للتمثيل، وتتحول الحياة الخاصة للسلطة إلى سلعة أسطورية تُباع في سوق الترفيه العالمي؟ مشهد افتتاح الوثائقي الأسود حول ميلانيا ترامب، بقيمة أسطورية تصل إلى خمسة وسبعين مليوناً، ليس حدثاً عارضاً في حفلة هوليوودية؛ بل هو العَرض النهائي لمرض عميق في العصر. إنه لحظة الافتراق التي تكشف كيف صار الواقع السياسي مجرد سردية منافسة، وكيف تحولت الفوضى الجيوسياسية إلى خلفية مُلحَقة لموسيقى تصويرية تروّج لأسطورة شخصية.
هنا، في هذه النقطة بالذات، يلتقي طمع غرينلاند الجليدي بنيران فنزويلا؛ يلتقي صراع التحالفات مع حرب الهوية. ووسط هذا الالتحام، تُقدّم لنا وثيقة السيدة الأولى كاستعارة كبرى لعالم فقد بوصلة التمييز بين الجوهري والثانوي، بين الأزمة والترفيه، بين الدم والضوء. لا يمكن فهم معنى إنفاق هذا المبلغ الخيالي على سيرة شخصية إلا إذا أدركنا أن السرد نفسه قد أصبح سلاحاً رئيسياً في ترسانة القوة الحديثة. لم تعد الحروب تخاض بالضرورة على الحدود فحسب، بل على شاشات العرض وضمن خوارزميات المنصات الرقمية. الصفقة مع أمازون، عملاق التكنولوجيا الذي يتحول إلى راعٍ ثقافي، ليست مجرد عقد توزيع؛ إنها طقس مرور يشرعِن تحويل السلطة السياسية إلى أيقونة ثقافية شعبية، ويضفي طابعاً تجارياً على الهالة الرمزية للرئاسة. إنه تفكيك متعمد لفكرة “المصلحة العامة”، وإحلال “الاهتمام الشخصي” و”القيمة التسويقية” محلها.
اللعبة هنا لعبة مرايا متقابلة. ففي الخارج، تخلق الإدارة الفوضى عبر سياسات مقصودة: العقوبات التي تحوّل دولاً إلى كيانات متهالكة، والتهديدات التي تحول الحلفاء إلى خصوم متربصين، والخطاب الذي يحول الحقائق الثابتة إلى آراء قابلة للنقاش. هذه الفوضى ليست عَرضاً لسوء الإدارة، بل هي منتَج مُصنَّع بعناية. إنها تخدم وظيفة مزدوجة: إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية وفق الهوى، وإلهاء الرأي العام العالمي بحالة دائمة من الصدمة والارتباك. وفي الداخل، أو في المساحة الافتراضية التي تهيمن عليها الثقافة الاستهلاكية، تُقدّم سردية مضادة: سردية النظام، والجمال، والخصوصية، والأسرة. ميلانيا في الوثائقي ليست مجرد زوجة رئيس؛ إنها تجسيد لهذه السردية المضادة. إنها الوجه الإنساني الهادئ لواقع عنيف، والزخرفة الجمالية لمشروع سياسي قائم على التجريد. الـ 75 مليون دولار ثمناً لهذا التناقض: ثمن تحويل التوتر العالمي إلى مجرد إطار درامي يُبرز بطولة الشخصية الرئيسة.
غير أن هذا الاستثمار الضخم في صناعة الأسطورة يحمل في طياته اعترافاً بهشاشة البناء. فالأساطير لا تحتاج إلى ترويج بهذا الحجم المبالغ فيه إلا إذا كانت تعاني من أزمة مصداقية عميقة. الدعاية التقليدية تحاول إخفاء نقاط الضعف، أما صناعة الأسطورة الحديثة فتعترف بها ثم تحولها إلى جزء من الجاذبية. الغموض الذي يلف شخصية ميلانيا، والانفصال الظاهري عن ضجيج السياسة اليومي، لم يعد عيباً بل تحول إلى مادة خام للسينما. إنه اعتراف ضمني بأن “الحقيقة” الشخصية أصبحت عديمة القيمة بحد ذاتها؛ فالقيمة كلها تكمن في “الحكاية” التي يمكن نسجها حولها. بمعنى آخر، لم يعد المهم من تكون، بل القصة التي يمكن بيعها عنك. هذه هي النقطة الفلسفية المركزية: انفصال الدال (الصورة، السرد، الوثائقي) عن المدلول (الشخص الفعلي، الوقائع التاريخية، الواقع الملموس). لقد صار الدال هو الواقع الجديد، وهو الأكثر رسوخاً وتأثيراً.
تتضح هذه الظاهرة إذا تأملنا الثنائيات التي تحكم مشهدنا: النار والجليد. نيران فنزويلا وإيران هي استعراض للقوة المباشرة، القديمة، التي تعتمد على التدمير والمواجهة. بينما جليد غرينلاند يمثل استعراضاً لقوة من نوع آخر: قوة اللامبالاة، قوة الرغبة التي لا تعترف بالحدود أو السيادة، قوة الطمع الذي يتجمّد فيه منطق التحالفات والقانون الدولي. الوثائقي الفخم يقف عند نقطة التقاء هذين القطبين. إنه محاولة لتجميد الصورة المضطربة للإدارة في إطار فني أنيق، وتحويل لهيب انتقاداتها إلى دفء عاطفي في قصة إنسانية. إنه جليد فني يُراد به إخماد نيران السخط. ولكن، كما في الطبيعة، فإن الجليد الذي يحاول تغطية النار ينتهي إلى الذوبان والغليان. الفيلم، برغم فخامته، لا يستطيع إلا أن يعكس التوتر الذي يحاول إخفاءه.
إن شراء الشرعية عبر منصات الترفيه هو السمة المميزة لعصر “ما بعد الحقيقة”، ولكنه هنا يصل إلى ذروته الساخرة. فحين تكون القوة السياسية في أمس الحاجة إلى تحقيق انتصارات ملموسة – في السلام، في الاستقرار، في تحسين الحياة – نجدها تنسحب إلى ميدان المعركة الأسهل: معركة الصورة والانتباه. الدفع بـ 40 مليوناً ثمناً لحقوق النشر، و35 مليوناً لحملة الترويج، هو اعتراف صارخ بأن قلب مشاعر الجمهور العالمي أصبح سلعةً قابلة للشراء في السوق المفتوحة، تماماً كما تشتري الدولة ولاء زعيم محلي أو امتناع شركة عن النقد. إنه اختزال لكل القيم – القيم السياسية، الأخلاقية، الجمالية – إلى قيمة تبادلية واحدة: السعر. وصناعة السينما، التي كانت يوماً مرآة للواقع أو حلماً بتجاوزه، تتحول هنا إلى أداة لتجميل الواقع وتزييفه.
بالتالي، فإن الظاهرة التي بين أيدينا تتجاوز مجرد فضائح مالية أو خرق للتقاليد. إنها تشير إلى تحول أنطلوجي في طبيعة السلطة ذاتها. السلطة لم تعد تُمارس فقط عبر المؤسسات والقوانين والجيوش، بل تُمارس بشكل أعمق عبر السيطرة على وسائل إنتاج الواقع ذاته. من يملك حق نسج القصة الكبرى، ومن يملك توزيعها على أوسع نطاق، يصبح صاحب الكلمة الأولى في تعريف ما هو حقيقي وما هو هامشي، ما هو أزمة تستحق الاهتمام وما هو مجرد ضجيج عابر. العرض الأول في مركز كينيدي، بحضور النخبة السياسية، كان طقساً من طقوس هذه السلطة الجديدة. كان إعلاناً بأن السردية الرسمية قادرة على احتلال أقدس مساحات الثقافة الرسمية (مركز كينيدي) وتحويل نفسها إلى مناسبة ثقافية تُحتفى بها، بينما الأحداث الجسيمة التي تجري خارج الجدران تُختزل إلى مجرد أخبار في الشريط الأسفل للشاشة.
لذلك، لا يمكن النظر إلى وثائقي ميلانيا إلا كاستعارة كبرى للعصر. إنه علامة على اللحظة التي انكسر فيها الواقع إلى شظايا، وصار كل شيء – حتى أكثر الأزمات البشرية إلحاحاً – مجرد مادة خام لصناعة أسطورة شخصية أو سياسية. إنه دليل على أن القوة القصوى اليوم هي ليست قوة الفعل بالضرورة، بل قوة إعادة التمثيل. في هذا العالم، تصبح جزيرة غرينلاند البعيدة رهينة لنزوة طفولية، وتصبح الحرب والسلام خلفية لموسيقى تصويرية، وتصبح السيدة الأولى بطلة لفيض عاطفي مُصَطَّنع. لكن الفلسفة تذكرنا بأن كل استعارة، مهما بلغت قوتها، تظل تشير إلى غياب الحقيقة الأصلية. الـ 75 مليون دولار، في النهاية، هي ثمن هذا الغياب. ثمن محاولة ملء فراغ هائل بقصص مذهبة. والسؤال الذي يظل معلقاً في الهواء، كالدخان بعد انفجار: ماذا سيحدث حين تنتهي الموسيقى التصويرية، ويعود الصمت، وتنكشف الخلفية الحقيقية للصورة؟ حينها، قد نكتشف أن الجليد قد ذاب، والنار لا تزال مشتعلة، وأن الأسطورة، مهما غلا ثمنها، لا تستطيع إطعام جائع، ولا إيقاف قنبلة، ولا بناء عالم يضمن عيشا مشتركا …








