إنها الحقيقة.. الجزائرية تعيش عزلة دبلوماسية وتخبطاً سياسياً بشكل غير مسبوق..

admin
2025-11-19T23:53:55+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin19 نوفمبر 2025آخر تحديث : منذ 4 أشهر
إنها الحقيقة.. الجزائرية تعيش عزلة دبلوماسية وتخبطاً سياسياً بشكل غير مسبوق..
  • مصطفى قشنني

في مشهد عبثي يصلح لفيلم من إنتاج “مونتي بايثون” بنكهة مغاربية، وقفت الجزائر، بلد المليون ونصف مليون شهيد، في مجلس الأمن، لا لتصرخ “الحرية لفلسطين”، بل لتصوّت لصالح قرار نزع سلاح غزة، وكأنها تقول: “كفى يا غزة، لقد أحرجتنا بما فيه الكفاية!”، ثم عادت إلى مقعدها الدبلوماسي، ترتب بزتها العسكرية وتهمس لمندوب أمريكا: “هل كنا جيّدين”.؟

القرار، الذي صيغ على ورق أمريكي مطلي بطبقة شفافة من “الشرعية الدولية”، مرّ بأغلبية 13 صوتاً، مع تحفظ الصين وروسيا، ورفض يتيم من اليمن وإيران. أما الجزائر، التي كانت حتى الأمس القريب ترفع شعار “مع غزة ظالمة أو مظلومة”، فقد قررت أن تكون “واقعية”، أو بالأحرى، أن تمارس هوايتها المفضلة: التناقض.

في قاعة مجلس الأمن، حيث تُصنع القرارات الكبرى، وقف المندوب الأمريكي ليكشف المستور: بعض الدول العربية، ومنها الجزائر، كانت أكثر حماسة من واشنطن نفسها لنزع سلاح غزة. بل إن بعضها، حسب قوله، “كاثوليكي أكثر من البابا”، وطلبوا من ترامب أن “يخلّصهم من غزة وما يأتي منها”. يا للوقاحة! غزة، التي كانت يوماً رمزاً للمقاومة، أصبحت عبئاً دبلوماسياً على من كانوا يتغنون بها في خطبهم النارية.

القرار ينصّ على تشكيل “قوة استقرار دولية مؤقتة”، وهو مصطلح دبلوماسي أنيق يعني: “جيش دولي بنكهة الناتو”، مهمته تفكيك البنية التحتية العسكرية في غزة، أي باختصار: تجريد المقاومة من سلاحها، وفتح الطريق أمام سلطة فلسطينية لا تسيطر حتى على مفاتيح مكاتبها في رام الله. أما حماس، التي تسيطر على 47% من القطاع، فستُجبر على تسليم مفاتيح غزة، ليس إلى سلطة منتخبة، بل إلى مجلس للسلام” ترعاه واشنطن وتديره تل أبيب من خلف الستار”.

الجزائر، التي كانت تتغنى يوماً بـ”الحق يعلو ولا يُعلى عليه”، أصبحت اليوم تصوّت لصالح قرارات تُفصّل على مقاس الاحتلال، ثم تعود لتتحدث عن “الشرعية الدولية” و”الحلول السلمية”. وكأنها نسيت أن الشرعية الدولية ذاتها كانت تتغاضى عن استعمارها لعقود، وأن الحلول السلمية لم تُحرّر شبراً من أرضها، بل كانت البندقية هي من فعلت.

لكن مهلاً، لعلّ الجزائر لم تصوّت ضد غزة، بل ضد “الإحراج الدبلوماسي”. فأن تكون في مجلس الأمن وتُجبر على الاختيار بين واشنطن وطهران، بين تل أبيب وغزة، بين النفط والمبدأ، فالأمر محرج فعلاً. لذلك اختارت الجزائر أن “تتحفظ على تحفظها”، وأن تصوّت مع الأغلبية، ثم تعود لتقول لشعبها: “لقد فعلنا ما بوسعنا… لكن العالم ضدنا”.

ويا له من عالم! عالم تُقسم فيه غزة إلى منطقتين: واحدة تحت سيطرة إسرائيل، وأخرى تحت إدارة حماس، وكأننا في لعبة “مونوبولي” دولية. عالم تُقاس فيه قيمة المقاومة بعدد التغريدات، وتُمنح فيه الشرعية لمن يملك حساباً مصرفياً في جنيف، لا بندقية في خان يونس.

أما الدبلوماسية الجزائرية، فهي قصة أخرى. قصة تصلح لأن تُدرّس في معاهد الكوميديا السوداء. من خصومات مع فرنسا وإسبانيا بسبب ملف “الصحراء المغربية”، إلى فشل ذريع في ملف مالي، إلى عزلة شبه تامة في محيطها المغاربي، إلى تصويت في مجلس الأمن يُشبه طعنة في خاصرة القضية الفلسطينية. كل هذا تحت شعار “الجزائر الجديدة”، التي يبدو أنها جديدة فقط في قدرتها على إرباك الأصدقاء قبل الخصوم.

فمن يخطط لهذه الدبلوماسية؟ من يكتب سيناريوهاتها؟ من يقرّر أن تكون الجزائر في يوم مع غزة، وفي اليوم التالي مع قرار نزع سلاحها؟ هل هو الجنرال الذي يقرأ الصحف الفرنسية كل صباح؟ أم هو المستشار الذي يعتقد أن “الحياد الإيجابي” يعني التصويت مع الأقوى دائماً؟

نعم، تبقى الحقيقة مرّة: الجزائر، التي كانت يوماً منارة للثورات، أصبحت اليوم تصوّت ضد ثورة شعب محاصر. الجزائر، التي كانت تقول “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، أصبحت تقول: “مع القرار الأممي، ولو كان ظالماً”. الجزائر، التي كانت تفتخر بأنها “قوة ضاربة”، أصبحت تضرب نفسها كل يوم في مجلس الأمن، ثم تعود لتسأل: “لماذا لا يحترمنا أحد”؟

ربما لأن الاحترام لا يُشترى بالتصويت، ولا يُنتزع بالبيانات، بل يُبنى بالمواقف. وربما لأن غزة، رغم الحصار، ما زالت تملك ما فقدته الجزائر: البوصلة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.