- ابن علي
بصوت مسموع نقول :في زمنٍ صار فيه الإحسان واجهةً براقةً لصفقاتٍ مشبوهة، ومسرحاً لتمثيلياتٍ لا تنتهي، نعيش حفلة تنكرية جماعية، حيث تتقاطع العمائم مع العقارات، وتُبنى المساجد على أنقاض الضمير، وتُوزّع قفف الخير على وقع كاميرات تُشعل الضوء لا لتوثّق الرحمة، بل لتُسوّق الرخص الاستثنائية. الإحسان صار بطاقة عبور نحو السلطة، لا نحو السماء، وصار يُقاس بعدد الصور المنشورة لا بعدد الأرواح المنكوبة التي لامستها يدٌ خفية لا تعرف التصوير.
هنا، حيث تُخلط النوايا بالصفقات، وتُعجن الآيات في خلاطات الإسمنت، يخرج علينا فقيهٌ ببدلةٍ أنيقة، يتحدث عن الزهد من فوق برجٍ زجاجي، حساباته البنكية تُغني عن أي خطبة جمعة، وبطنه لا يعرف الغرغرة إلا حين يمرّ على قائمة الطعام الفاخر. فقهاء الأمس كانوا ينامون على الحصير ويستيقظون على همّ الأمة، أما فقهاء اليوم فينامون على الريش ويستيقظون على مواعيد المستثمرين. هل يستقيم الدين مع المشاريع القارونية؟ وهل يمكن للورع أن يسكن في فيلا مطلة على البحر، تُشرف على حيّ فقير لا تصله إلا قوافل الإحسان الموسمي؟
الإنعاش العقاري صار مرادفاً للإنعاش الديني، و بعض المراكز تُبنى بمالٍ لا يُعرف مصدره، وتُدار بعقلية المقاولة، حيث تُحسب خطب الجمعة بعدد الحضور، وتُقاس التقوى بعدد التبرعات. كل شيء قابل للتسعير: الفتوى، الدعاء، حتى البكاء صار له جدول زمني. الإحسان صار سلعة، والدين صار ديكوراً يُعلّق على جدران الاجتماعات، يُستدعى حين تُطلب الرخص، ويُغيب حين يُسأل عن الضمير.
والمضحك المبكي أن كل هذا يتم بمباركة من يُحسبون على الدين، أولئك الذين يُبرّرون، يُشرعنون، يُطوّعون النصوص لتخدم المشاريع، لا المبادئ. يُحدّثونك عن الصدقة الجارية، وهم يجرّون خلفهم قوافل من العقود والامتيازات. يُحدّثونك عن الزهد، وهم يتنافسون في عدد الطوابق التي تُطل على البحر. يُحدّثونك عن التقوى، وهم لا يعرفون من الليل إلا سهرات التفاوض.
ومع ذلك، ماشي الحال، والكل تمام. لا أحد يسأل، لا أحد يُحاسب، فالكاميرا شاعلة، والواجهة براقة، والفقير يبتسم للعدسة، و بعض أطراف السلطة تُوقّع على الرخص، والدين يُصفّق من بعيد. في هذا الزمن، صار الإحسان قناعاً، والدين ديكوراً، والضمير سلعةً تُباع في المزاد. فهل من مستيقظ؟ أم أن الجميع نائم في حضن القارونات الجدد؟








