- مصطفى قشنني
بشكل جنوني، تتسارع وتيرة التسلح بين المغرب والجزائر في مشهد يعكس تناقضًا صارخًا بين حاجات الشعوب وخيارات النخب الحاكمة. فبينما يرزح المواطن تحت وطأة البطالة، وتئن المستشفيات تحت نقص حاد في التجهيزات، وتكافح المدارس لتوفير تعليم لائق، تُضخ المليارات في صفقات السلاح، وتُبنى ترسانات لا تُستخدم إلا في استعراضات القوة أو في سباق لا منتصر فيه ولا رابح إلا الشركات العالمية لبيع الأسلحة. هذا السباق، الذي كشف تقرير موقع «ديفنسا» عن تفاصيله الدقيقة، لا يُقاس فقط بالأرقام الفلكية، بل بما يُهدر من فرص حقيقية للنهوض الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.
المغرب، وفق التقرير، يتجه نحو نموذج تحديث نوعي، يستثمر في التكنولوجيا، ويبني قاعدة صناعية دفاعية بشراكات دولية ذكية. الجزائر، في المقابل، تواصل نهج الإنفاق الكمي الضخم، متمسكة بتفوق عددي في العتاد، ومراهنة على الردع التقليدي. لكن السؤال الأهم ليس في من يملك الطائرات الأحدث أو الصواريخ الأطول مدى، بل في من يملك الشجاعة السياسية لإعادة توجيه البوصلة نحو ما يخدم الإنسان قبل السلاح، وما يعزز التنمية قبل التسلح.
لو خُصصت ميزانية التسلح الجزائرية لعام واحد فقط، والتي تتجاوز 22 مليار يورو، لدعم التعليم والصحة والبنية التحتية، لكان بالإمكان بناء آلاف المدارس والمستشفيات، وتوفير فرص عمل لمئات الآلاف من الشباب، وتحقيق قفزة نوعية في مؤشرات التنمية البشرية. ولو استثمر المغرب ميزانيته الدفاعية في مشاريع تنموية، لكان بإمكانه تسريع وتيرة النمو، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتعزيز الاستقرار الداخلي الذي يُعد أقوى سلاح لأي دولة.
لكن التعنت، خاصة من قبل المؤسسة العسكرية الجزائرية، يُبقي المنطقة رهينة منطق الحرب الباردة، ويغذي خطابًا عدائيًا لا يخدم سوى مصالح ضيقة. هذا التعنت ليس مجرد خيار سياسي، بل لعنة تاريخية تُهدد بإضاعة فرص الوحدة والتكامل بين شعبين يتقاسمان اللغة والدين والثقافة والمصير المشترك. فكل بندقية تُشترى، وكل طائرة تُقتنى، هي في الحقيقة صفعة في وجه حلم مغاربي طال انتظاره، وعرقلة لمسار كان يمكن أن يجعل من المنطقة قطبًا اقتصاديًا واجتماعيًا واعدًا.
إن السباق نحو التسلح، مهما بلغ من مستويات، لن يُفضي إلى أمن حقيقي ما لم يُقرن برؤية تنموية شاملة، تُعيد الاعتبار للإنسان، وتُعلي من شأن التعاون بدل التنافس، والوحدة بدل الانقسام. فالأمن لا يُبنى فقط بالصواريخ والدبابات، بل بالمدارس والمستشفيات، وبفرص العمل، وبالثقة المتبادلة بين الشعوب. وما لم تُدرك النخب الحاكمة، خاصة في الجزائر، أن دعم شروط الوحدة هو السبيل الوحيد للخروج من دوامة الاستنزاف، فإن التاريخ لن يرحم، وستبقى لعنة التسلح تلاحق من فرّط في حلم الشعوب من أجل وهم القوة.
2026 ليس مجرد عام في تقويم عسكري، بل لحظة فارقة لاختبار النوايا، وقياس مدى استعداد البلدين للانتقال من منطق التسلح إلى منطق التنمية، ومن سباق العتاد إلى سباق الرقي. فهل يُكتب للمنطقة أن تستفيق من غفلتها، وتُعيد ترتيب أولوياتها، أم أن لعنة التاريخ ستظل تطارد من اختاروا السلاح على حساب الإنسان؟







Jamalمنذ 4 أشهر
عندما تكون بجوار عسكر السوء النظام الغدار يجب ان نأخذ كل الاحتياطات