- مصطفى قشنني
في لحظةٍ مسروقة من البث المباشر، وبين خطواتٍ محسوبة على سجادة التاريخ، تسلّل صوتان من خلف الكواليس، لا ليُعلنا موقفًا سياسيًا، بل ليهمسا بسرٍّ وجوديٍّ عن مستقبل الإنسان. الرئيس الروسي بوتين والرئيس الصيني شي، في عرض عسكري صاخب، يتبادلان حديثًا جانبيًا عن زراعة الأعضاء، وعن إمكانية أن يعيش البشر حتى 150 عامًا، وربما… إلى الأبد. لا أحد كان ينتظر أن يُفتح باب الخلود من ميكروفونٍ مفتوح، ولا أن يُقال إن التكنولوجيا الحيوية لم تعد تكتفي بترقيع الجسد، بل تطمح إلى إعادة صياغته من جديد، كأن الإنسان مشروعٌ قابلٌ للتعديل، لا كائنٌ له نهاية محتومة.
لكن مهلاً، من يحق له أن يتحدث عن الخلود؟ هل صار العمر امتيازًا سياسيًا؟ هل باتت الحياة نفسها تُدار من غرف الزعماء، وتُناقش على هامش العروض العسكرية الصاخبة؟ ما الرسالة التي أراد الثلاثي بوتين-شي-كيم رئيس كوريا الشمالية تمريرها للعالم؟ أن السلطة لا تكتفي بالحكم، بل تطمح إلى تجاوز الموت؟ أن من يملك القرار يملك أيضًا مفاتيح الزمن؟ أم أن الأمر مجرد زلة لسان، تسلّلت من فم مترجمٍ نسي أن الميكروفون مشحون بفتنة لا ترحم؟
الحدث أثار ضجة في العالم، لا لأنه كشف عن تطور علمي أو فتح مبين في عالم البيولوجيا، بل لأنه كشف عن فجوة معرفية وهوّة علمية بين من يعرف ومن يُترك في الظلام الدامس. لماذا يتحدث الزعماء عن الخلود بينما الأطباء والعلماء يلتزمون الصمت المُريب والتحفظ المقيت؟ أين البيولوجيون أين الفيزيولوجيون الذين يُفترض أنهم حماة الجسد؟ أين علماء الإنسان الذين يُفترض أنهم حراس المعنى؟ هل أصبح العلم حكرًا على من يملك السلطة، بينما يُترك الشعب يتفرّج على حياته تُعاد صياغتها دون إذن؟
الحديث عن زراعة الأعضاء ليس جديدًا، لكن أن يُقال إن الإنسان يمكنه أن يعيش أطول ويصبح أصغر سنًا، فذلك يفتح بابًا على أسئلةٍ وجودية لا تنتهي. هل نحن أمام عصرٍ جديد من الهندسة البشرية؟ هل سيُعاد تعريف الشيخوخة؟ هل سيصبح الموت خيارًا لا قدرًا؟ وهل سنحتاج إلى إعادة كتابة الفلسفة، لأن الوجود نفسه تغيّر والكينونة بالمفهوم “الهايدكَري” ستنقلب رأسا على عقب؟
ثم لماذا هذا التوقيت؟ في عرضٍ عسكري، في ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية، في حضور زعيم كوريا الشمالية؟ هل أرادوا القول إن الحرب انتهت، لكن المعركة الحقيقية بدأت؟ معركة ضد الزمن، ضد الفناء، ضد هشاشة الإنسان؟ وهل كان العرض العسكري مجرد خلفيةٍ رمزية لعرضٍ أكبر: عرض الخلود؟
هذا الصمت يُذكّرنا بواقعةٍ أخرى ، حين تسربت -في أبريل الفارط- معلومات عن أجسامٍ مجهولة في الفضاء، واحتكر الأمن القومي الأمريكي الخبر، وكأن السماء أيضًا لم تعد ملكًا للجميع. لماذا هذا التكتم؟ لماذا تُخفى الأخبار التي تتعلق بوجودنا؟ هل لأن الحقيقة مرعبة؟ أم لأن من يعرفها لا يريد أن يشاركها؟ وهل أصبح الإنسان مجرد رقمٍ في معادلةٍ لا يُسمح له بفهمها؟
الخلود، في هذا السياق، ليس مجرد امتدادٍ زمني، بل إعادة تعريفٍ للسلطة. من يملك الخلود، يملك الزمن. ومن يملك الزمن، يملك كل شيء. لكن هل الخلود ممكن؟ أم مجرد فانتازيا تُقال في لحظة نشوة وانتشاء؟ وهل يحق للزعماء أن يتحدثوا عن مستقبل الإنسان، بينما الإنسان نفسه لا يعرف ماذا يُطبخ باسمه؟
ربما كان جلجامش يحلم بالخلود حتى لا يلقى مصير صديقه أنكيدو، لكنه لم يكن يملك منصة تيانانمين، ولا ميكروفونًا مفتوحًا، ولا مترجمًا يتحدث الصينية. حلمه كان أسطوريًا، أما حلم اليوم فهو سياسي، بيولوجي، استعراضي. والفرق بينهما أن جلجامش كان يبحث عن معنى، بينما الزعماء يبحثون عن امتداد في عمر حكمهم.
لكن ما هو الثمن؟ هل يمكن أن نعيش 150 عامًا دون أن نفقد شيئًا؟ هل يمكن أن نزرع الأعضاء دون أن نزرع الخوف؟ هل يمكن أن نعيد تشكيل الإنسان دون أن نعيد تشكيل الأخلاق؟ وهل نحن مستعدون لعالمٍ لا يموت فيه أحد، لكن لا يعيش فيه أحد كما كان؟ رحم الله الطبيب الفيلسوف ابن سينا الذي كان يدعو الله أن يرزقه حياة عريضة – أي عميقة وكذلك كانت – في الوقت الذي كان يطلب فيه السوقة والعوام حياة طويلة ..
الخلود، حين يُقال في سياقٍ سياسي، يصبح سلاحًا. لا لأنه يمنح الحياة، بل لأنه يمنح السيطرة. أن تعيش أطول يعني أن تظل تحت الحكم أطول. أن تبقى شابًا يعني أن تبقى قابلاً للاستغلال أطول. أن تُعاد صياغتك يعني أن تُعاد برمجتك. وكأن الإنسان لم يعد كائنًا، بل جهازًا قابلًا للتحديث.
في هذا العالم، يصبح الجسد ملفًا، والروح إشاعة، والذاكرة منتجًا قابلًا للمحو. يصبح الإنسان مشروعًا سريًا، لا يعرفه إلا من يملك مفاتيح المختبر. ويصبح الموت، لا نهاية، بل فشلًا في الصيانة.
لكن هل هذا هو المستقبل الذي نريده؟ هل نريد أن نعيش أطول، أم أن نعيش أعمق؟ هل نريد أن نخلد، أم أن نفهم؟ وهل يمكن أن يكون الخلود نعمةً، أم لعنةً لا تنتهي؟ وهل من يعيش 150 عامًا يظل إنسانًا، أم يصبح شيئًا آخرقد يُشبه الديناصور مثلا ؟
الأسئلة كثيرة، والصمت أكثر. لكن ما نعرفه أن الميكروفون كان مفتوحًا، وأن الصوت خرج، وأن العالم سمع. وما لا نعرفه هو ما يُقال حين تُغلق الكاميرا، وحين يُطفأ الضوء، وحين يعود الزعماء إلى غرفهم المغلقة.
في تلك اللحظة، لم يكن العرض العسكري هو الحدث، بل الحديث الجانبي. لم تكن الدبابات هي الرسالة، بل الكلمات التي تسلّلت من فم المترجم. لم يكن الماضي هو ما يُحتفل به، بل المستقبل الذي يُعاد تشكيله.
ربما لن نعيش 150 عامًا. وربما لن نخلد. لكننا نعيش الآن في زمنٍ يُناقش فيه وجودنا دون علمنا، ويُعاد تشكيلنا وهندستنا دون إذننا، ويُخطط لنا دون أن نُستشار. وهذا، بحد ذاته، أكثر رعبًا من الموت.
لأن الموت، على الأقل، واضح. أما ما يُقال في الميكروفونات المفتوحة، فهو غامض، لكنه حقيقي. وكأن السلطة لم تعد تكتفي بالحكم، بل تطمح إلى كتابة نهاية الإنسان… أو محوها ..






