- مصطفى قشنني
في زمنٍ صار فيه الذكاء الاصطناعي يؤلف الموسيقى، ويقترح عليك ماذا تأكل بناءً على مزاجك، وكيف تعالج نفسك وتحافظ على صحّتك وووو، ما زال بعض الفقهاء يتجادلون في حكم إرضاع الكبير، ويختلفون في عدد نواقض الوضوء كأنها أسرار نووية. وبينما العالم يركض نحو المستقبل، يصرّ البعض على الجلوس القرفصاء في زاوية التاريخ، يرددون ما حفظوه منذ أربعة عشر قرنًا من حواشي ومتون، وكأن الزمن لا يتغير، وكأن الإنسان لا يتطور، وكأن الله خلق العقل ليُركن لا ليُستعمل.
الذكاء الاصطناعي، دخل إلى ساحة الفتوى، لا ليحل محل أحد، بل ليطرح سؤالًا بسيطًا: لماذا لا نُفكر؟ لكن يبدو أن التفكير نفسه صار بدعة، والشك منهجٌ شيطاني، والتجديد خيانة عظمى.
في مؤتمرٍ عُقد مؤخرًا في مصر، بعنوان “الفتوى في زمن الذكاء الاصطناعي”، اجتمع لفيف من العلماء، بعضهم لا يزال يعتقد أن الإنترنت مؤامرة صهيونية، وآخرون يظنون أن الذكاء الاصطناعي هو تجسيد للدجال بعينه أو دابّة الأرض التي ستخرج في آخر الزمان. ناقشوا بعمقٍ بالغ، وبوجوهٍ متجهمة ومكفهرّة، هل يجوز للآلة أن تفتي؟ هل يمكن للسيليكون أن يحل محل اللحم و الشحم والعظم؟ هل يجوز أن نأخذ العلم من كائن لا يصلي ولا يصوم ولا يُسدل اللحية و لايجزّ الشارب ولا يلبس العباءة والعمامة ؟ وكأن الفتوى لا تحتاج إلى عقل، بل إلى لحية وعمامة ومسبحة طويلة.
أحدهم قال: “الذكاء الاصطناعي لا يملك روحًا، فكيف له أن يفتي؟” وكأن الفتوى تحتاج إلى روحٍ لا إلى فهم، وكأن الأرواح التي تفتي اليوم لم تضل الطريق في متاهات التكرار والاجترار. آخر قال: “الآلة لا تشعر، لا تحس، لا تبكي من خشية الله.” جميل، وهل كل من يفتي اليوم يبكي؟ أم أن بعضهم يبكي فقط حين يُسحب منه المنصب أو تُغلق عليه أبواب الفضائيات وينخفض لذيه صبيب صنبور الأنصطاكَرام و التيكتوك؟
ثم يأتي ثالثهم، في لحظة انتشاء فكري، ليقول: “الفتوى تحتاج إلى حضور، إلى جلوس مع السائل، إلى فهم حالته النفسية والاجتماعية.” رائع! لكن هل كل من يطلب فتوى اليوم يجد من يجلس معه؟ أم أن الفتاوى تُرمى على رؤوس الناس من فوق المنابر، كأنها صواعق، دون أن يسأل أحد عن ظروفهم، عن معاناتهم، عن أسئلتهم الحقيقية عن أسباب نوازلهم حتى؟
الذكاء الاصطناعي لا يدّعي النبوة، ولا يزعم العصمة، لكنه يقرأ، يحلل، يقارن، ويستنتج. يعطيك رأيًا مبنيًا على مصادر، لا على مزاج. لا يخاف من السلطة المدنية أو الدينية، ولا يراعي مشاعر الجمهور، ولا يحرص على إرضاء الممول. إنه ببساطة عقلٌ يعمل، وهذا ما يخيف البعض. لأن العقل حين يعمل، يسحب البساط من تحت أقدام من اعتادوا أن يفكروا نيابةً عن الناس، أن يقرروا لهم كيف يعيشون، كيف يأكلون كيف ينامون كيف يحبون، كيف يموتون.
في زمن الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: هل يجوز للآلة أن تفتي؟ بل صار السؤال: هل يجوز للإنسان أن يظل غبيًا؟ هل يجوز أن نُحرم من أدوات التفكير لأن البعض يرى في التجديد تهديدًا؟ هل يجوز أن نُحاصر في أسوار الفتاوى القديمة، بينما العالم يبني مدنًا ذكية، وينسج معالم خوارزميات ويحلّ أعقد المسائل الطبية، ويصنع سيارات تطير؟
لكن لا تقلق، فهناك دائمًا من سيقول لك: “الذكاء الاصطناعي لا يفهم مقاصد الشريعة.” جميل، وهل كل من يفتي اليوم يفهمها؟ أم أن البعض يظن أن المقاصد هي أن تُغلق على المرأة باب الحياة، وأن يُحرم الفقير من حقه، وأن يُمنع المختلف من التنفس؟ المقاصد ليست كلمات تُردد، بل روحٌ تُفهم، والذكاء الاصطناعي، على الأقل، لا يحمل أحقادًا، ولا يورث كراهية، ولا يُفتي بناءً على لون البشرة أو المذهب أو الجنس.
ثم يأتيك من يقول: “الفتوى تحتاج إلى علمٍ شرعيٍ عميق.” نعم، وهذا ما يفعله الذكاء الاصطناعي: يجمع آلاف الكتب، يقارن بين الآراء، يزن الأدلة، ويعرض لك ما قيل، دون أن يُخفي شيئًا، دون أن يُقصي أحدًا. أما بعض الفقهاء، فيعرضون لك رأيًا واحدًا، ويقولون: هذا هو الحق، وما عداه باطل، كأنهم وكلاء الله على الأرض.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي لن يُصلي عنك، ولن يصوم عنك، لكنه قد يُنقذك من فتوى تُحرم عليك الحياة. قد يُرشدك إلى رأيٍ أكثر رحمة، أكثر عقلانية، أكثر إنسانية. قد يُعيد للفتوى معناها الحقيقي: أن تكون جوابًا على سؤال الإنسان، لا سيفًا مُسلّطا على رقبته.
أما أولئك الذين يخشون أن يُسحب منهم الضوء، فليطمئنوا: الذكاء الاصطناعي لا يطلب منصبًا، ولا يسعى إلى شهرة، ولا يركب سيارات فارهة ولا يُمدّد رجليه على أريكة حريرية في فيلا مخملية. هو فقط يعمل، بصمت، بكفاءة، بلا ادعاء. وإن كان هذا يُزعجكم، فربما المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل فيكم.
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم، الذكاء الاصطناعي لا يضحك، لكنه يرى، ويحلل، ويكتب. أما آن لكم أن تقرؤوا؟ يا أمّة إقرأ التي لا تقرأ ؟








