مصطفى قشنني
في زمنٍ صار فيه الضجيج معيارًا للحضور، والكذب وسيلة للتأثير، والافتراء أداةً لتقويض الثقة، يبرز المغرب كاستثناءٍ صارخ في محيطٍ يزداد اختناقًا بالرداءة. لم يعد الأمر مجرد حملات تشويه عابرة، بل أصبح نمطًا ممنهجًا، مدروسًا، وممولًا، يستهدف صورة المغرب، مؤسساته، رموزه، ونجاحاته. والسبب؟ بسيط جدًا: لأن المغرب ينجح. ولأن النجاح، في عرف من لا يملك سوى الحقد، يُعتبر استفزازًا، بل لعنة يجب محاربتها بكل أدوات الخبث والمقت الممكنة.
لقد شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال شهر غشت المنصرم موجة مكثفة من الأخبار الزائفة، كان المغرب من بين أبرز ضحاياها، حسب مؤشر منصة “مسبار” للتحقق من الأخبار. أكثر من 168 مادة تحقق، منها 139 مضللة و28 مزيفة، والمغرب في المركز الخامس عالميًا من حيث عدد الأخبار الزائفة التي استهدفته. اثنا عشر مادة كاذبة في أربعة أسابيع، بمعدل كذبة كل يومين ونصف. هذا ليس مجرد رقم، بل هو مؤشر على حجم الاستهداف، وعلى أن هناك من لا ينام إلا حين يُطلق شائعة، ولا يرتاح إلا حين يُشكك في منجز، ولا يهدأ إلا حين يُلوّث صورة بلدٍ قرر أن يسير في الاتجاه المعاكس للانهيار.
المغرب لا يزعج لأنه يصرخ، بل لأنه ينجز بصمت. لا يُستهدف لأنه يهدد أحدًا، بل لأنه يربك من لا يملك مشروعًا. لا يُحارب لأنه يعتدي، بل لأنه يراكم مكاسب دبلوماسية، اقتصادية، أمنية، وتنموية، في وقتٍ تتهاوى فيه دولٌ كانت تُعتبر نماذج. لقد أصبح المغرب، بفضل استراتيجيته المتزنة، حجر عثرة في طريق من لا يريدون أن يروا نموذجًا عربيًا وإفريقيًا ينجح دون وصاية، دون تبعية، دون انبطاح.
الذباب الإلكتروني، الذي يطنّ يوميًا على منصات التواصل، لا يملك من أدوات الحرب سوى الفبركة. يقتات على الصور القديمة، ويعيد تدوير الفيديوهات، ويختلق الروايات، ثم يطلقها في الفضاء الرقمي، على أمل أن تُحدث أثرًا، أن تُربك، أن تُشوّه. لكنه ينسى أن المغرب ليس دولة ناشئة في الوعي، ولا شعبًا هشًا في الإدراك، ولا مؤسسات رخوة في المناعة. المغرب، الذي واجه الاستعمار، واحتضن المقاومة، وبنى دولته القوية، لا تُربكه تغريدة، ولا تُسقطه إشاعة، ولا تُهزّه صورة مفبركة.
الاستهداف لم يكن وليد لحظة، بل هو امتداد لحقدٍ تاريخي، تغذيه عقدة الجغرافيا، وتؤججه غيرة الإنجاز، وتُشعل نيرانه كل خطوة يخطوها المغرب نحو المستقبل. فكلما حقق اختراقًا دبلوماسيًا في ملف وحدته الترابية، خرجت جحافل الذباب لتبث سمومها. وكلما أعلن عن مشروع تنموي ضخم، انطلقت ماكينة التشكيك. وكلما استعد لاحتضان تظاهرة رياضية عالمية، ارتفعت أصوات السخرية. وكأن المغرب، في نظرهم، يجب أن يبقى في الخلف، أن يرضى بالدونية، أن يعتذر عن نجاحه.
لكن المغرب لا يعتذر. لا يطلب الإذن ليبني، ولا ينتظر التصفيق ليُنجز، ولا يلتفت إلى نباح من ضاقت صدورهم من رائحة النجاح. هو يعرف أن طريقه محفوفٌ بالحسد، وأن كل مشروع تنموي يُطلقه يُعتبر استفزازًا لمن لا يملكون إلا الطابور، ولا يعرفون من التنمية سوى علبة حليب تُباع بالبطاقة، ولا يفهمون من السيادة سوى شعارات “القوة الضاربة”. هؤلاء لا يستطيعون مجاراة المغرب، فيلجؤون إلى أسهل وسيلة: الكذب.
لكن الكذب لا يصمد أمام الحقيقة. والمغرب، الذي يُراكم الإنجازات، لا يكتفي بالرد، بل يستبق الهجمات، ويحصّن نفسه. وفي هذا السياق، جاء القرار الملكي بداية الأسبوع الجاري، بتعيين اللواء عبد الله بوطريك مديرًا عامًا للمديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني، ليعكس التزام المملكة الراسخ بتأمين وحماية الفضاء السيبراني الوطني، باعتباره رهانًا استراتيجيًا في مسار الانتقال الرقمي. هذا التعيين ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان واضح أن المغرب لا يكتفي بالرد على الهجمات، بل يُحصّن نفسه، ويعزز مكانته في الحضور الأمني القوي داخليًا وخارجيا.
لأن الفضاء السيبراني لم يعد مجرد مجال تقني، بل أصبح ساحة حرب، ومنصة نفوذ، وميدانًا للصراع الجيوسياسي. والمغرب، الذي يدرك حجم التحديات، لا يترك ثغرة، ولا يُهمل جبهة، ولا يُفرّط في أمنه الرقمي. لأن من يعرف قيمة نفسه، لا ينتظر أن يُدافع عنه أحد، بل يبني جدرانه بيده، ويُحكم إغلاق بواباته، ويُراقب سماءه الرقمية كما يُراقب حدوده الترابية..







