بئس بها من حضارة .. إذا  كان الحمار أفضل من الإنسان..

admin
2025-11-30T23:02:26+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin30 نوفمبر 2025آخر تحديث : منذ 3 أشهر
بئس بها من حضارة .. إذا  كان الحمار أفضل من الإنسان..
  • مصطفى قشنني

في خضمّ ينهار فيه المنطق تحت وطأة النفاق، وتُسحق فيه القيم تحت سنابك المصالح، لم يعد مستغرباً أن يُمنح الحمار تذكرة نجاة، بينما يُترك الطفل الفلسطيني ليموت على قارعة الانتظار. لم يعد الأمر مجرد مفارقة عابرة، بل صار بنية كاملة من التمييز الممنهج، حيث تُعاد صياغة سلم الأولويات الأخلاقية وفق معايير لا علاقة لها بالإنسانية، بل بكل ما يناقضها. في هذا العالم، لا يُقاس الإنسان بضعفه أو حاجته، بل بجنسيته، بانتمائه، بمدى “خطورته” على النظام العالمي الجديد، الذي بات يرى في الطفل الفلسطيني تهديداً، وفي الحمار ضيفاً يستحق الرعاية.

الطفل “حسن”، ابن العام الواحد، لم يكن يعرف شيئاً عن الجغرافيا، ولا عن السياسة، ولا عن خرائط الاحتلال. لم يكن يحمل سلاحاً، ولا يخطط لانقلاب، ولا يكتب منشورات تحريضية. كان يحمل جسداً صغيراً أنهكه السرطان، وروحاً تتشبث بالحياة. لكن الحياة، في عرف الدول المتحضرة، لا تُمنح مجاناً. تحتاج إلى أوراق، إلى تصاريح، إلى موافقات أمنية، إلى أن تكون من “النوع الصحيح” من البشر. حسن لم يكن كذلك. كان فلسطينياً، من غزة، من أولئك الذين وُضعوا في خانة “الاحتمال الأمني”، حتى وهم يحتضرون.

في المقابل، كانت ثمانية حمير تُنقل جواً من غزة إلى ألمانيا. حمير حقيقية، لا مجاز فيها، ولا استعارة. حيوانات بأربعة قوائم، وآذان طويلة، وعيون لا تعرف الحقد ولا السياسة. نُقلت في طائرات مخصّصة، عبر إجراءات دقيقة، وبعناية فائقة. لم يُطلب منها تصريح أمني، لم تُخضع لفحص نوايا، لم تُسأل عن انتمائها، ولا عن موقفها من الصراع. كانت فقط حميراً، وهذا وحده كافٍ لتأمين عبورها. في هذا المشهد، لا تبدو الحمير مذنبة، بل بريئة تماماً. الجريمة ليست في إنقاذها، بل في المفارقة التي تكشفها: أن الحمار، في هذا العالم، صار أكثر أهلية للحياة من الطفل الفلسطيني.

ما الذي يجعل الحمار أكثر استحقاقاً للنجاة من طفل يحتضر؟ هل لأن الحمار لا يثير الجدل؟ لا يطالب بحقوق؟ لا يرفع صوته؟ لا يهدد الرواية الرسمية؟ هل لأن الحمار لا يُحرج الضمير الغربي، ولا يذكّره بجرائمه؟ في هذا العالم، يبدو أن الصمت فضيلة، وأن الطاعة جواز سفر، وأن من لا يشتكي، لا يُخيف. أما من يصرخ، من يطالب، من يرفض أن يُمحى، فهو خطر. حتى لو كان طفلاً، حتى لو كان يحتضر، حتى لو لم يعرف بعد كيف ينطق اسمه.

ألمانيا، التي تتغنى بتاريخها المجيدفي استقبال اللاجئين، والتي تتفاخر بدورها في الدفاع عن حقوق الإنسان، قرّرت أن تمنح جنسيتها لإسرائيليين لم تطأ أقدامهم أرضها، بينما رفضت منح تصريح علاج لطفل فلسطيني يحتضر. لم يكن القرار إدارياً، بل كان بياناً سياسياً. رسالة واضحة: أن الفلسطيني لا يستحق الحياة، لا لأنه ارتكب جريمة، بل لأنه وُلد في المكان الخطأ، في الزمن الخطأ، في الجهة الخطأ من التاريخ. لقد صار الوجود الفلسطيني نفسه جريمة، وصار البقاء على قيد الحياة فعلاً استفزازياً.

الصحف الألمانية، التي أفردت صفحاتها لمعاناة الحمير، وصفتها بلغة إنسانية مؤثرة: “هربت من الجوع، من العنف، من الاستغلال”. أما الأطفال الفلسطينيون، فكانوا مجرد أرقام، مجرد حالات، مجرد “ملفات قيد الدراسة”. لم يُذكر اسم حسن، لم تُروَ قصته، لم تُنشر صورته. لم يُمنح حتى شرف أن يُحزن أحداً. لقد مات كما يموت الغرباء: بصمت، بلا ضجيج، بلا وداع. بينما الحمار، نُقل إلى مراعٍ خضراء، وصُوّر وهو يركض في الحقول، كأنما نجا من الجحيم إلى الجنة.

في هذا المشهد، لا يمكننا أن نلوم الحمير. فهي لم تطلب شيئاً، ولم تختر مصيرها. لكننا نُسائل النظام الذي قرر أن يفتح أبوابه لها، ويغلقها في وجه الأطفال. نسائل الحضارة التي تدّعي أنها بلغت ذروة الإنسانية، بينما تمارس أبشع أشكال التمييز. نسائل القيم التي تُرفع في المحافل الدولية، وتُداس في المطارات. نسائل الضمير الذي ينتفض لحيوان، ويصمت أمام طفل يحتضر.

إنها ليست مجرد ازدواجية معايير، بل انهيار كامل للمنظومة الأخلاقية. حين يُصبح الحمار رمزاً للنجاة، ويُصبح الطفل رمزاً للتهديد، فإننا لا نعيش في عالم طبيعي. نحن نعيش في عالم مقلوب، حيث تُقاس الإنسانية بمدى الطاعة، لا بمدى الألم. حيث يُكافأ الصمت، ويُعاقب الصراخ. حيث تُمنح الحياة لمن لا يطلبها، وتُسحب ممن يتوسلها.

في هذا العالم، لا مكان للفلسطيني. لا مكان لمن يرفض أن يُمحى. لا مكان لمن يصر على أن يكون له اسم، ووجه، وقصة. الفلسطيني، في هذا النظام، ليس إنساناً، بل احتمال. احتمال أن يكون خطراً، احتمال أن يكون عبئاً، احتمال أن يُحرج. ولذلك، يُترك ليموت، لا لأن أحداً يريده أن يموت، بل لأن أحداً لا يريد أن يراه حياً.

لكن الموت، حين يُصبح سياسة، لا يُبقي على شيء. لا على القيم، ولا على المبادئ، ولا على الحضارة. الحضارة التي تُنقذ الحمار وتترك الطفل، ليست حضارة، بل قشرة. قشرة براقة تُخفي تحتها عفناً أخلاقياً. قشرة تُخدع بها الشعوب، وتُبرر بها الجرائم، وتُغسل بها الأيدي من الدم. لكنها، في النهاية، لا تصمد أمام الحقيقة. والحقيقة، مهما طال الزمن، تخرج. تخرج من عيون الأمهات، من صرخات الأطفال، من قبور الصغار، من صمت العالم.

في مشهد ختامي لا يحتاج إلى خيال، يمكننا أن نرى الحمير الثمانية ترتع في مراعي ألمانيا، تأكل من أعشابها، وتنام في حظائرها، وتُعالج في عياداتها البيطرية. وفي المقابل، نرى الأطفال الفلسطينيين، ثمانية، عشرون، خمسون، يموتون في غزة، بلا دواء، بلا تصريح، بلا أمل. إنها ليست مقارنة، بل مفارقة. مفارقة تكشف أن العالم لم يعد يرى الإنسان كما هو، بل كما يريد أن يراه. وأن القيمة لم تعد تُقاس بالكرامة، بل بالانتماء. وأن الحياة لم تعد حقاً، بل امتيازاً.

لقد نجحت الحمير في النجاة، وفشل الأطفال. ليس لأنهم أقل استحقاقاً، بل لأنهم أكثر إدانة. لأنهم يذكّرون العالم بجريمته، لأنهم يفضحون نفاقه، لأنهم يصرخون بما لا يريد أن يسمعه. وفي هذا الصمت، في هذا التجاهل، في هذا التواطؤ، تُكتب شهادة وفاة للضمير العالمي. شهادة تقول إن الإنسانية لم تُقتل، بل انتحرت. انتحرت حين اختارت أن ترى الحمار، وتتجاهل الطفل. حين اختارت أن تنقذ الحيوان، وتترك الإنسان. حين اختارت أن تُنقذ ما لا يُحرجها، وتُهمل من يفضحها.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.