- مصطفى قشنني
في الوقت الذي أصبحت تتقاطع فيه الشعارات مع النوايا، وتختلط فيه الأصوات الثائرة بالتحريض المقنّع، تطلّ علينا توكل كرمان من نافذةٍ لا تحمل سوى الريح، تلوّح بشعارات الثورة والانتصار للشعوب، بينما تزرع في الأرض بذور الفوضى وتنفث في الهواء دخان الانقسام. امرأة نالت جائزة نوبل للسلام، لكنها ما فتئت تُشعل الحرائق في ساحاتٍ لم تطلب منها نارًا، وتُحرّض على دولٍ لم تستدعِ منها رأيًا. فهل بات السلام يُمنح لمن يلوّح بالسيف؟ وهل أصبحت نوبل مرآةً تعكس الضجيج لا الحكمة؟
إنّ ما صدر مؤخرًا عن كرمان من تدوينات تستهدف المغرب، بلدٌ عريقٌ في تاريخه، راسخٌ في مؤسساته، متماسكٌ في نسيجه الاجتماعي، يفتح الباب واسعًا أمام سؤالٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ: ما الذي يجعل من شخصيةٍ كهذه، محسوبة على تيارٍ إيديولوجيٍّ مثيرٍ للجدل، أن تتحدث باسم شعبٍ لم يفوّضها، وتُحرّض على مؤسساته في لحظةٍ دقيقةٍ من التعبير الاجتماعي؟ وهل يُمكن لمن نالت جائزةً تُجسّد أسمى معاني السلم أن تُمارس التحريض العلنيّ على الفوضى والتخريب؟
إنّ المغرب، الذي واجه عبر تاريخه تحدياتٍ جسامًا، من الاستعمار إلى الإرهاب، ومن الأزمات الاقتصادية إلى التحولات الاجتماعية، لم يكن يومًا بحاجةٍ إلى وصايةٍ خارجية، ولا إلى أصواتٍ تتحدث باسمه من وراء البحار. فالمغاربة، الذين صنعوا مجدهم بالحكمة والصبر، لا يقبلون أن تُختزل مطالبهم الاجتماعية في شعاراتٍ غوغائية، ولا أن تُستغل احتجاجاتهم من قبل من يبحث عن مجدٍ إعلاميٍّ على حساب استقرار الأوطان.
توكل كرمان، التي تُقيم في تركيا، وتُحسب على جماعة الإخوان المسلمين، المصنفة كمنظمةٍ إرهابيةٍ في عددٍ من الدول، لم تكتفِ بمواقفها المعادية لوطنها اليمن، بل وسّعت دائرة التحريض لتشمل دولًا عربيةً أخرى، وكأنّها نصّبت نفسها وصيّةً على الشعوب، وناطقةً باسمهم دون تفويض. إنّ هذا السلوك لا يُسيء فقط إلى الدول المستهدفة، بل يُسيء إلى جائزة نوبل نفسها، التي باتت تُطرح حولها علامات استفهامٍ كبيرة: هل باتت تُمنح لمن يُتقن فنّ الضجيج؟ وهل أصبحت تُكافئ من يُجيد اللعب على وتر الفوضى؟
لقد طالبت هيئة المرأة العربية، ومعها أصواتٌ حقوقيةٌ وسياسيةٌ معتدلة من مختلف الدول، بسحب الجائزة من كرمان، معتبرةً أن مواقفها تُناقض القيم النبيلة التي تُجسّدها نوبل. فكيف يُمكن لمن تدعم كياناتٍ تُروّج للكراهية والعنف، وتُحرّض على إسقاط الأنظمة، أن تُجسّد مفهوم السلام؟ وهل يُمكن للسلام أن يتعايش مع الدعوة إلى التقتيل والتخريب؟ إنّ هذا التناقض الصارخ يُحيلنا إلى أزمةٍ أخلاقيةٍ في معايير منح الجوائز الدولية، ويُعيد النقاش حول ضرورة مراجعة هذه المعايير بما يضمن ألا تُمنح إلا لمن يُجسّد فعلًا قيم السلم والتعايش.
إنّ ما يُثير الاستغراب أكثر، هو أن كرمان تُصرّ على الحديث باسم المغاربة، وكأنّهم قاصرون لا يُجيدون التعبير عن أنفسهم، ولا يملكون من الوعي ما يُمكّنهم من إدارة شؤونهم. هذا الخطاب ليس فقط متعالٍ، بل يُجسّد نوعًا من الاستعمار الرمزيّ، حيث تُنصّب فيه شخصيةٌ خارجيةٌ نفسها ناطقةً باسم شعبٍ كامل، وتُمارس وصايةً فكريةً لا تقلّ خطورةً عن الوصاية السياسية. فالمغاربة، الذين خاضوا معارك التحرر، وبنوا مؤسساتهم بعرقهم، لا يقبلون أن يُختزلوا في خطابٍ تحريضيٍّ يُسيء إليهم أكثر مما يُدافع عنهم.
إنّ المغرب، بحكمته التاريخية، وحنكة قيادته، ووعي شعبه، قادرٌ على معالجة مشاكله، وتطويق الإكراهات التي تُواجهه، دون الحاجة إلى أصواتٍ خارجيةٍ تُمارس التحريض من خلف الشاشات. فالمطالب الاجتماعية، مهما كانت مشروعة، لا تُحلّ بالفوضى، ولا تُعالج بالتحريض، بل بالحوار، والإصلاح، والتدرج. وهذا ما يُجسّده النموذج المغربي، الذي يسعى إلى التوازن بين الاستقرار والانفتاح، وبين الحفاظ على المؤسسات والاستجابة للمطالب الشعبية.
أما كرمان، فإنّ استمرارها في هذا النهج يُسيء إلى صورتها، ويُضعف من مصداقيتها، ويُحوّلها من ناشطةٍ إلى مُحرّضة، ومن صوتٍ يُفترض أن يُدافع عن الحقوق، إلى صوتٍ يُهدّد الاستقرار. وهذا التحوّل لا يُمكن أن يمرّ دون مساءلة، ولا أن يُغضّ الطرف عنه، خاصةً من قبل الجهات التي منحتها جائزةً تُجسّد السلام. فهل يُعقل أن تُكرّم من يُحرّض؟ وهل يُمكن أن يُحتفى بمن يُشعل الحرائق؟
إنّ ما نحتاجه اليوم، ليس فقط مراجعة منح الجوائز، بل إعادة تعريف مفهوم السلام نفسه. فالسلام ليس صمتًا أمام الظلم، لكنه أيضًا ليس فوضى تُهدّد الأوطان. السلام هو بناءٌ لا هدم، وحوارٌ لا تحريض، وتعايشٌ لا إقصاء. وإذا كانت نوبل تُجسّد هذه القيم، فإنّ من يحملها يجب أن يكون أهلًا لها، قولًا وفعلًا، لا شعارًا وتغريدة.







