جائزة نوبل للسلام: هل أصبح السلام امتيازًا سياسيًا ؟

admin
مقالات رئيس التحرير
admin13 أكتوبر 2025آخر تحديث : منذ 5 أشهر
جائزة نوبل للسلام: هل أصبح السلام امتيازًا سياسيًا ؟
  • مصطفى قشنني

منذ تأسيسها، ارتبطت جائزة نوبل للسلام بمفاهيم سامية كالدفاع عن حقوق الإنسان، ونبذ العنف، وتعزيز الحوار بين الشعوب. لكنها في السنوات الأخيرة، تحوّلت تدريجيًا إلى أداة سياسية، تُستخدم لتكريس سرديات معينة، وتلميع وجوه تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى، حتى لو كانت تلك الوجوه بعيدة كل البعد عن مفهوم السلام الحقيقي. فالجائزة التي كان يُفترض أن تُكرّم من يُطفئ الحروب ويُخرس البنادق، باتت تُمنح لمن يُعيد إنتاجها بأدوات ناعمة، تحت شعارات الديمقراطية والحرية.

منحت لجنة نوبل هذا العام جائزتها للسياسية الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، باعتبارها “رمزًا للنضال السلمي من أجل الديمقراطية”. لكن هذا التوصيف لا يصمد أمام سيرة سياسية مثيرة للجدل، لامرأة دعمت العقوبات الاقتصادية التي حاصرت شعبها، وباركت الانقلابات، واصطفت علنًا إلى جانب إسرائيل في حربها على غزة، بل طالبت بتدخل عسكري خارجي في فنزويلا. فهل يُمكن اعتبار هذه المواقف تجسيدًا للسلام؟ أم أن الجائزة باتت تُمنح لمن يُجيد الاصطفاف مع واشنطن، حتى لو كان ذلك على حساب بلاده؟

المفارقة العجيبة لا تقف عند ماتشادو، بل تتسع لتشمل من لم تُمنح لهم الجائزة رغم ترشيحاتهم. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي رشّح نفسه للجائزة بدعم من بنيامين نتنياهو، لم يحصل عليها رغم توقيعه اتفاقيات تطبيع بين دول عربية وإسرائيل، وهي خطوات اعتبرها البعض مساهمة في تهدئة إقليمية. لكن لجنة نوبل، التي تجاهلت هذا الترشيح، عادت ومنحت الجائزة لحليف لأمريكا ضد بلاده، في خطوة تُظهر أن الجائزة لا تُمنح بناءً على الأفعال، بل على الهوية السياسية، ومدى الانسجام مع مصالح الغرب. فبأقل تكلفة، تم تجاهل رئيس أمريكي مدعوم من إسرائيل، ومنحت الجائزة لسياسية فنزويلية تُجاهر بولائها لذات الحلف، وتُبرر العقوبات التي أودت بحياة العشرات من أبناء شعبها.

هذا التسييس الفج للجائزة يُعيد إلى الأذهان لحظات سابقة مثيرة للجدل، مثل منحها لقادة الحرب في إسرائيل: اسحاق رابين وشيمون بيريز وكذا منحها لهنري كيسنجر، أحد أبرز مهندسي التدخلات العسكرية الأمريكية، أو منحها لباراك أوباما في بداية ولايته دون إنجاز فعلي يُبرر التكريم. واليوم، يأتي فوز ماتشادو ليؤكد أن الجائزة لم تعد تُكرّم صانعي السلام، بل من يُجيدون التحدث بلغة الهيمنة، ويُحسنون ترويج سياسات التدخل والخصخصة والعقوبات باعتبارها أدوات “تحرير”.

إن السلام الحقيقي لا يُصنع عبر العقوبات، ولا يُبنى على أنقاض المستشفيات، ولا يُبرر بقصف المدنيين. السلام هو أن تُحترم إرادة الشعوب، ويُرفع الحصار، وتُفتح أبواب الحوار الداخلي، لا أن يُستدعى الخارج لتغيير الأنظمة بالقوة. حين تُمنح الجائزة لشخصية تُطالب بتدخل عسكري، وتُبرر حصار شعبها، وتُعلن دعمها لإسرائيل في حرب إبادة همجية، فإن ذلك لا يُعبّر عن سلام، بل عن إعادة تعريف مقلقة لمفهوم السلام نفسه. جائزة نوبل للسلام، التي كانت يومًا منبرًا لتكريم نضالات حقيقية، باتت اليوم تُستخدم لتكريس سردية واحدة: أن السلام هو ما تُقرره القوى الكبرى، وأن من يُعارض هذه السردية لا يستحق التكريم، مهما كانت نضالاته. أما من يُجيد الاصطفاف، ويُبرر الهيمنة، ويُعيد إنتاج خطاب التدخل، فهو المرشح المثالي، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة، والعدالة، وكرامة الشعوب

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.