حين بكت إسبانيا المسيحيةعلى فلسطين… وابتسمت بعض العواصم العربية للصهيوني القاتل..

admin
2025-09-16T00:35:55+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin16 سبتمبر 2025آخر تحديث : منذ 6 أشهر
حين بكت إسبانيا المسيحيةعلى فلسطين… وابتسمت بعض العواصم العربية للصهيوني القاتل..
  • مصطفى قشنني

في زمنٍ صار فيه التنديد العربي مجرد تمرين صوتي لا يُسمع إلا في أروقة المؤتمرات، خرجت علينا إسبانيا، تلك المملكة الأوروبية التي قامت على أنقاض غرناطة فيرناندو وإيزابيلا القشتالية، لتُعيد تعريف معنى الكرامة، لا بل لتُعيد تعريف معنى العروبة نفسها. إسبانيا، التي كانت ذات يوم سيفًا مسلولًا على رقاب المسلمين، صارت اليوم صوتًا صارخًا في وجه الصهيونية، بينما كثير من الدول العربية والإسلامية تكتفي بمسح الدم الفلسطيني من على شاشات هواتفها، وتُعيد نشره مع وسم “اللهم انصرهم” قبل أن تنتقل إلى فيديوهات الطبخ.

هل استيقظ الدم العربي “الفوار”في أوصال فيليبي السادس؟ هل تسللت جينات بني الأحمر إلى سانشيز؟ هل وزير الخارجية لُباريز يقرأ المتنبي سرًا؟ لا نعلم، لكننا نعلم أن إسبانيا المسيحية، التي كانت تُدرّس في كتب التاريخ على أنها نهاية الحلم الأندلسي، صارت اليوم بداية حلم أخلاقي جديد، حلمٌ لا يتحدث العربية، لكنه يفهمها أكثر من أهلها، ويصرخ بها في وجه نتنياهو، بينما كثير من العرب يتهجونها بصعوبة حين يُطلب منهم موقف.

في مدريد، لا تُقام مؤتمرات التنديد، بل تُغلق الموانئ. لا تُرفع بيانات الشجب، بل تُمنع السفن المحملة بالأسلحة من الرسو. لا تُكتب تغريدات حزينة، بل تُقطع صفقات السلاح، وتُمنع الطائرات من التحليق نحو تل أبيب ويحاصر سباق “لبويلطا” للدراجات الهوائية . رئيس الحكومة الإسبانية لا يكتفي بالبكاء أمام الكاميرا، بل يخرج شبه يوميًا ليقول إن ما يحدث في غزة ليس دفاعًا عن النفس، بل إبادة جماعية. وفي الوقت الذي يُمنع فيه وزراء إسبان من دخول إسرائيل، يُمنح القتلة في بعض العواصم العربية بساطًا أحمرًا ومصافحة دافئة.

هل أصبحت إسبانيا دولة عربية؟ لا، لكنها على الأقل لم تخلع جلدها الإنساني. لم تضع مصالحها فوق دماء الأطفال، ولم تُبرر المجازر بالسيادة، ولم تُخفِ خجلها خلف مصطلحات دبلوماسية. إسبانيا، التي لا تتحدث عن “القضية الفلسطينية” كملفٍ سياسي، بل كجرحٍ مفتوح، قررت أن تكون أكثر عروبة من العروبة ذاتها، وأكثر إسلامًا من الإسلام الذي صار يُقاس بعدد المساجد لا بعدد المواقف.

في المقابل، ماذا فعلت الدول التي ترفع رايات العروبة والإسلام؟ بعضها اكتفى بالدعاء، وبعضها اكتفى بالصمت، وبعضها اكتفى بالتواطؤ. بعضهم قال إن ما يحدث “شأن داخلي”، وبعضهم قال إن “الحياد مطلوب”، وبعضهم قال إن “الوقت غير مناسب”. الوقت غير مناسب؟ أي وقت يناسب المجازر؟ أي ساعة تصلح لوقف نزيف الطفولة؟ أي تقويم يُبرر الصمت حين تُقصف المستشفيات وتُحرق المدارس وتُدفن العائلات تحت الركام؟

إسبانيا، التي لا تملك حدودًا مع فلسطين، ولا تاريخًا من القومية العربية، قررت أن تُعيد تعريف الموقف. قررت أن تقول لا، حين قال الجميع نعم أو ربما أو لا نعلم. قررت أن تُعامل إسرائيل كما تُعامل روسيا، أن تُطالب أوروبا بالكيل بمكيال واحد، أن تُفضح ازدواجية المعايير، أن تُعيد للضمير الأوروبي بعضًا من نبضه. بينما كثير من العرب يُعيدون نشر صور المجازر مع موسيقى حزينة، ويُطالبون الأمم المتحدة بالتدخل، وكأن الأمم المتحدة لم تكن شريكة في الجريمة منذ البداية.

هل يكفي التنديد؟ لا. هل يكفي الغضب؟ لا. هل يكفي أن نُقارن أنفسنا بإسبانيا؟ لا. لأن المقارنة تُفضحنا، تُعرّي خيبتنا، تُظهر كم نحن بعيدون عن الحد الأدنى من الإنسانية. إسبانيا لا تُجامل، لا تُساوم، لا تُخفي موقفها خلف مصالح اقتصادية. بينما كثير من الدول العربية والإسلامية يُعيدون تعريف النفاق السياسي، ويُحوّلون القضية الفلسطينية إلى نشيد يُردد في المدارس، لا إلى جرحٍ يُداوى في السياسات.

في زمنٍ صار فيه الصمت سياسة، والحياد خيانة، والتواطؤ دبلوماسية، خرجت إسبانيا لتقول إن الدم لا يُغسل بالماء، وإن الأطفال لا يُدفنون بالبيانات، وإن الكرامة لا تُشترى بالصفقات. خرجت لتقول إن غزة ليست مجرد خبرٍ عاجل، بل اختبارٌ أخلاقي، وإن نتنياهو ليس مجرد رئيس وزراء، بل مجرم حرب، وإن إسرائيل ليست دولة ديمقراطية، بل آلة قتل ممنهجة.

هل استيقظ الدم العربي في مدريد؟ ربما. هل تحوّلت إسبانيا إلى دولة قومجية؟ ربما. هل صارت أكثر إسلامًا من بعض الدول الإسلامية؟ ربما. لكن الأكيد أن إسبانيا قررت أن تكون إنسانية، حين قرر كثير من العرب أن يكونوا محايدين. قررت أن تُدافع عن الحق، حين قرر كثير من المسلمين أن يُدافعوا عن مصالحهم. قررت أن تُغلق الموانئ، حين قرر كثير من الحكومات أن تُغلق أفواه شعوبها.

في النهاية، لا نطلب من الدول أن تُصبح عربية، ولا أن تُعلن إسلامها، بل فقط أن تُعلن إنسانيتها. أن تُعامل الدم كدم، لا كخبرٍ عابر. أن تُعامل المجازر كجرائم، لا كأحداثٍ مؤسفة. أن تُعامل فلسطين كقضية، لا كملفٍ يُفتح ويُغلق حسب المزاج السياسي. وإسبانيا فعلت ذلك، ببساطة، دون أن تُغيّر دستورها، أو تُعدّل هويتها، أو تُعيد كتابة تاريخها.

فهل نحتاج إلى أن نكون إسبانًا كي نُدافع عن فلسطين؟

أم أن العروبة والإسلام صارا عبئًا على من يحملونه؟

ربما آن الأوان أن نُعيد تعريف الهوية، لا بالانتماء، بل بالموقف.

وربما آن الأوان أن نعترف أن إسبانيا المسيحية، في زمن المجازر، كانت أكثر وفاءً لفلسطين من كثير من العواصم التي تُصلّي خمس مرات في اليوم، وتُصمت خمسين مرة في الساعة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.