- مصطفى قشنني
في وطنٍ عربي يصرخ تحت وطأة الاستعمار الجديد، استعمار لا يأتي بالبارجات والدبابات، بل بالشيكات والوعود، صار للإعلام دورٌ مأساوي فيما يقع ويَحدُث. لقد تحولت بعض منابر الرأي من ساحات حرة للصراع الفكري إلى واجهات فاخرة تُعرض فيها الآراء كبضائع في سوق النخاسة الحديثة. كلما رفعت صوتك منتقدًا، تسمع همسات الممولين ترسم لك الخطوط الحمراء بخيوط من ذهب. الصحافة، تلك المهنة التي يفترض أن تكون ضمير الأمة ومرآتها الناقدة، تُباع وتُشترى في سوق “النخوة” ، حيث الطائف السياسي أهم من الحقيقة، والمصلحة الآنية تطمس البوصلة الأخلاقية.
لم يعد خافيًا على أحد أن العديد من المنابر الإعلامية العربية الكبرى، تلك التي تزين شعاراتها عبارات “الاستقلالية” و”الحرية” و”الرأي والرأي الآخر”و “الحقيقة بدون زيف”ووو، ما هي إلا دمى تتحرك على مسرح واسع، يحرك خيوطها ممولون يحددون اتجاه الريح. لقد خلقت الطفرة العربية في دول بعينها، إمبراطوريات إعلامية هجينة، لا تهدف إلى تنوير الرأي العام، بل إلى تليين ضميره وتشكيل وعيه بما يخدم أجندات ضيقة. أصبحت الاستقلالية سرابًا يلوح في الصحراء العربية أو في “مدن الملح كما سماها الروائي الكبير عبد الرحمان مُنيف”، بينما الحقيقة تنحني كل صباح لتقبّل يد “صاحب النعمة”. الكلمة لم تعد سيدة نفسها؛ فهي تتبع المال كما يتبع الظل جسد صاحبه في شمس الظهيرة. لقد سقطت أخلاقيات المهنة في مزبلة التاريخ، واستُبدلت بعلاقات “الولاء والبراء” التجارية، حيث الولاء لمن يدفع، والبراءة ممن يخالف.
واليوم، في خضم معارك بعض الإمارات على رسم خرائط النفوذ من اليمن إلى ليبيا، تكشف هذه المنابر عن انقسامها البائس. فمنبرٌ كان حتى الأمس يقدم سردية كيان معيّن وكأنه الوحي المنزل، إذا به يرتبك فجأة حين تتصادم مصالح مموليه. صراع بين طرفين على أرض اليمن المحترق يحول غرف التحرير إلى ساحات ارتباك. المحررون والكتاب، الذين يفترض أن يكون همّهم الأول البحث عن الحقيقة، صاروا محاسبين قبل أن يكونوا صحفيين، يحسبون الأرقام وينتظرون التوجيهات: من ندعم اليوم؟ ومن ننتقد؟ السؤال لم يعد عن الحقيقة، بل عن صاحب الشيك الأعلى قيمة. إنه مشهد مُذل: صحافة تبحث عن سيدها في كل أزمة، كالكلاب الضالة تبحث عن عظمة.
و الأخطر من ذلك هو الدور التدميري لهذه المنابر. فهي لا تكتفي بتبرير التدخل، بل تعمل على تفكيك المجتمعات من الداخل. إثارة النعرات الطائفية في العراق، تعميق الانقسام السياسي في تونس، تأجيج الصراع في السودان – كلها أدوات في يد إعلام ممول يبحث عن الفوضى الخلاقة. الفوضى التي تمكن السيد الجديد من فرض هيمنته. إنه استعمار جديد كما قلت، لا يحتاج إلى دبابات، بل يحتاج إلى شاشات. لا يحتاج إلى جنود، بل يحتاج إلى كتاب يبيعون كرامتهم لقاء شيك ممهور.
وحين ننظر إلى “المثقفين” و”المحللين” الذين يملأون هذه الشاشات زعيقا و نعيقا، نكتشف المأساة الأعمق: تحويل الفكر إلى بضاعة. فالمفكر الذي كان يفترض أن يكون ضمير الأمة، صار بائع كلام في سوق المزايدة. المحلل الذي كان يفترض أن يفسر الواقع، صار مبرمجاً للوهم. لقد تم اختطاف المثقف العربي وتحويله إلى موظف في شركات الإعلام “المعلوم”، يكتب ما يرضي السيد، ويصمت عما يغضبه.
المستحيل يصبح ممتنعًا. بل الأبشع من ذلك، أن بعض هذه المنابر صارت أداة لتفكيك المجتمعات من الداخل، بإثارة النعرات وتأجيج الصراعات. ففي السودان أو ليبيا أو اليمن أو سوريا… صار لدينا إعلام يناصر فريقًا ويشيطن الآخر، ليس حبًا في الشعب، بل تضخيمًا للفوضى التي تمكّن السيطرة.
هنا يتحول الإعلام من أداة توثيق إلى أداة تدمير. إنه لا يحلل الصراع، بل يصنعه. لا ينقل المعاناة، بل يسوّق لها. إنه يبيع أوهام السيادة ويشتري الولاءات الرخيصة. والنتيجة؟ شعوبٌ مربكة، وحقيقةٌ مشوهة، وصراعات لا تنتهي لأنها تُغذى يوميًا بخطاب كراهية ممول. لقد صارت بعض ” الكيانات”، بقدراتها المالية الهائلة، قادرة على شراء السرديات كما تُشترى السلع. يشترون الصحفيين والكتاب والمؤسسات، ويصدرون لهم “أدلة التحرير” الجاهزة. أصبحنا أمام ظاهرة “الإمبراطوريات الإعلامية” التي تعيد رسم الوعي العربي وفقًا لمصالح ضيقة، تكرس التجزئة والقُطرية وتقبر حلم الوحدة والتكتّل.
لكن هذا البناء الغير السويّ له شقوقه وتصدّعاته. ففي لحظات الصراع الخليجي-الخليجي – على سبيل المثال لا الحصر -، كما في اليمن الآن، ينكشف المستور. ينقلب “المستقلون” فجأة إلى مرتزقة حائرين بين أمرين. هذه اللحظات من الارتباك هي نافذة الشفافية القسرية، تكشف أن “الاستقلالية” مجرد كلمة تزين واجهة مؤسسة رهينة. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: أين كرامة الكلمة في هذا السوق؟ أين روح الصحافة التي تحدثت عنها الأجيال السابقة، من المنفلوطي إلى محمد حسنين هيكل، تلك التي كانت تخاف من الله والضمير قبل أن تخاف من قطع صنبورالإعلانات؟
مؤلم حقا، أننا أمام نظام إعلامي هجين، يكرس التبعية ويقبر الاستقلالية. إنه ليس مجرد فساد مهني، بل هو جزء من ماكينة ضخمة تهدف إلى إعادة تشكيل واستعمار المنطقة تحت مسمى “النفوذ”.
لذلك، نحن أمام معركة وجودية: معركة بين كلمة تبحث عن الحقيقة وكلمة تبحث عن الثمن. بين صحافة تخدم الشعب وصحافة تخدم السيد. والخيار ليس صعباً: إما أن نستمر في دور المنبطحين الذين يباركون يد الممول، أو ننتفض ونعيد للكلمة كرامتها. لأن أمة بلا إعلام حر هي أمة بلا روح. وأمة تبيع كلمتها هي أمة تبيع مستقبلها. والموت الذي نخشاه ليس موت الأجساد، بل موت الضمائر.








موجودمنذ شهرين
من أرقى المقالات التي قرأت !!!
نردّ للكلمة شرفها، فالأمة التي يُكمَّم إعلامها تفقد روحها، والتي تُفرّط في كلمتها تُفرّط في أيامها القادمة، أما الموت الأشد فليس موت الأجساد!!!!!!