- مصطفى قشنني
في لحظة من لحظات التاريخ التي لا تُنسى، وبين جدران الأمم المتحدة التي شهدت على صراعات العالم وتوافقاته، كنت هناك، أتنقل بين أروقة الدبلوماسية الدولية، بدعوة من وزارة الخارجية الأمريكية. لم أكن أعلم أن تلك الزيارة ستخلّد في ذاكرتي مشهداً سيظل يرافقني كوميض في ليل السياسة الطويل. كانت سنة 2007، والمغرب يخط أولى خطواته نحو حل عبقري، حل لا يفرض نفسه بالقوة، بل يعرض نفسه بالحكمة: الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.
في تلك اللحظة، شاءت الصدفة أن ألتقي المرحوم مصطفى الساهل، مندوب المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة، رجل دولة من طراز نادر، جمع بين حنكة الأمن الوطني ودهاء الدبلوماسية. سلّمني نسخة من المقترح المغربي للإطلاع، ختمها بختمه، وقال لي: “على الأقل، المغرب يقدم حلاً ملموساً”. كانت كلماته كأنها نبوءة، تنبض بالثقة، وتومض في عتمة التردد الدولي. واليوم، بعد قرابة عقدين من الزمن، تتبدد الغيوم، ويظهر الحق المغربي كالشمس في كبد السماء، لا تحجبه ضبابات السياسة ولا تعتمه مناورات الخصوم.
المقترح المغربي للحكم الذاتي لم يكن مجرد ورقة سياسية، بل كان إعلاناً عن نضج دبلوماسي، عن قدرة المغرب على تحويل النزاع إلى فرصة، والخصومة إلى شراكة. اقترح المغرب منح سكان الصحراء حكماً ذاتياً موسعاً تحت سيادته، يتيح لهم إدارة شؤونهم المحلية عبر مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية منتخبة، بينما تحتفظ الرباط بالاختصاصات السيادية في الدفاع والخارجية والدين.
لم يكن هذا المقترح وليد لحظة عابرة، بل ثمرة رؤية استراتيجية، تجذرت في التاريخ المغربي، وتغذت من إرث المسيرة الخضراء، تلك الملحمة التي سطرها 350 ألف مغربي في عام 1975، حين ساروا سلمياً نحو الصحراء، حاملين رايات الوطن بدل البنادق، ومرددين نشيد الوحدة بدل قرع الطبول.
اليوم، وبعد سنوات من الجدل، والانقسامات، والمفاوضات، يقف المنتظم الدولي أمام حقيقة لا يمكن إنكارها: المغرب صاحب الحق التاريخي، وصاحب الحل الواقعي. مجلس الأمن الدولي، في قراراته المتتالية، بات يعتبر أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو “الأساس الأكثر جدية للتسوية”، وأشاد بمبادرة المغرب بوصفها “واقعية وقابلة للتطبيق.”
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل دبلوماسي دؤوب، قادته الرباط بحكمة وهدوء، تحت رعاية وهندسة جلالة الملك محمد السادس دون ضجيج ولا استعراض ولا بهرجة. المغرب لم يكتفِ بالدفاع عن حقه، بل قدّم نموذجاً في كيفية تحويل النزاع إلى مشروع بناء، وكيفية جعل السياسة أداة للسلام لا ساحة للصراع.
وفي المقابل، ظلت جبهة البوليساريو تراوح مكانها، متمسكة بخيار الاستفتاء الذي تجاوزته الوقائع، وتجاهلته التحولات الإقليمية والدولية. حتى بعض الأصوات داخل الجبهة بدأت تلمّح إلى إمكانية قبول الحكم الذاتي إذا وافق عليه الصحراويون، في اعتراف ضمني بأن الزمن لم يعد في صالح الشعارات، بل في صالح الحلول.
المغرب، في مقترحه، لم يسعَ إلى الهيمنة، بل إلى الشراكة. لم يطرح حلاً مفروضاً، بل دعوة إلى التفاوض، إلى بناء مستقبل مشترك، حيث يكون الصحراويون شركاء في القرار، لا رهائن في لعبة إقليمية. هذا المقترح هو تجسيد لفلسفة الحكم الرشيد، حيث تُدار الأقاليم بروح من التعددية والاحترام، لا من المركزية والتسلط.
وها هو التاريخ ينصف المغرب، لا لأن الحق وحده يكفي، بل لأن المغرب عرف كيف يصوغ حقه بلغة العصر، بلغة القانون الدولي، بلغة الواقعية السياسية. لقد تحوّل الحلم المغربي إلى حقيقة دولية، وتحولت الوثيقة التي سلمني إياها المرحوم مصطفى الساهل في حينه إلى مرجعية أممية، وإلى نقطة ارتكاز في كل نقاش حول مستقبل الصحراء.
إنها لحظة انتصار، لا فقط للدبلوماسية المغربية، بل للمنطق، وللعدالة، وللشعوب التي تؤمن بأن الحلول لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالحوار. المغرب لم ينتصر على خصومه، بل انتصر لفكرة أن السياسة يمكن أن تكون جسراً لا جداراً، وأن الوطن يمكن أن يتسع لكل أبنائه، مهما اختلفت رؤاهم. وفي هذه اللحظة، أتذكر كلمات المرحوم مصطفى الساهل، التي قالها لي في تلك الزيارة: “على الأقل، المغرب يقدم حلاً ملموساً”. واليوم، أقول له: نعم، يا سيدي، لقد قدّم المغرب حلاً، وصار هذا الحل حقيقة، وصار الحلم المغربي نجماً يهتدي به العالم في دروب التسوية والنزاع.






