- يحي زروقي
هذاهذا الصباح حل ساعي البريد .تهلل وجه الحي.لم يركب دراجته العادية.أصبح أنيقا،سائقا لسيارة كهربائية تشبه السلحفاة،تتسع لراكب واحد فحسب..لكنها مثيرة تحمل كل أخبار الناس،وآلامهم ..ومع ذلك تسير بزهو كامرأة غنوج غير آبهة بالأسفار الثقيلة.كان “سليم” يراقب السيارة الصغيرة،وفجأة تفتح الباب،ويخرج منها شاب وسيم،مزهو بنفسه كسيارته،مع العلم أنها ليست له،تشير إليه عجوز ليقترب منها، لكنه لايعيرها اهتماما.بجوارها تفتح الأم “عائشة” النافذة،وتومئ للعجوز إن كان البريد يحمل خبرا عن ابنها الوحيد الذي هاجر مذ حصل على شهادة الباكالوريا سنة 1990ولم يعد.
كثيرة هي الأنباء التي رددها شباب الحي بأن ابنها “شمس” تغير،وهاجر إلى أمريكا،وهناك استقر ونسي كل شيء…في بداية الأمر كان يكتب كل أسبوع رسالة،ويتصل في اليوم مرتين: مرة في الصباح،وأخرى في المساء،لكن أخباره انقطعت.العجوز لم تعد تسمع عنه شيئا،وفقدت النطق،وشهية الأكل.لاتتحدث إلا بكلمة واحدة،وباسم واحد”شمس”.
ظلت العجوز واقفة تراقب ساعي البريد وهو يطرق الحي بابا بابا ماعدا منزلها الصغير.تنظر إليه باستعطاف ربما يكون هناك خطاب لابنها الضال،يفهم الشاب رسالتها،لكنه يصر ألا يطرق بابها.
تحس بالتعب،ركبتاها لاتحملانها،وتستسلم بجلسة على عتبة بابها،لكنها تهوي،وتصرخ.يسمع الشاب صراخها،لايتردد في العودة،والأخذ بيدها،يلثمها ويعتذر لها.يحاول أن يخفف عنها بأن يبحث في محفظته،وفي سيارته ليوهمها بأن هذه المرة لاتختلف عن سابقاتها.هو يعرف تمام المعرفة قصتها من زملاء العمل.تبتسم له العجوز،ويتذكر الابتسامة التي افتقدها عشرين سنة مذ فارقت والدته الحياة،ويكرر المحاولة،يرى ظرفا خاصا يختلف عن كل الأظرفة التي يوزعها،ويتلقاها يوميا من الناس.يحمله،وينظر إليه مليا،ويتفاجأ باسم المرسل إليه”CHAMS”.يتساءل الساعي :” هل يعقل أن يكون ولدها؟”يأخذه،ويقول للعجوز:”أبشري…ا لدي رسالة من “شمس”.تبتلع العجوز لسانها،وتنهض بسرعة كأنها شابة في الثلاثين.
تشير إليه بأن يقرأها بصوت عال،فيفعل،ويردد اسم ابنها” شمس،شمس حي سيأتي هذا الصيف،يوصيك بأن تدعي له َ.الصفقة رابحة! الصفقة رابحة! هيه”
تبتسم العجوز لأول مرة منذ سنوات،وتدعو ساعي البريد ليدنوَ منها،وتحثه على تلاوة الرسالة.يفتح الظرف،ويقرأ”سأحل ببلدي الحبيب هذا الصيف،ولن أعود إلى القرف”.









يحي زروقيمنذ شهر واحد
مزيدا من التألق لجريدة الحياة الغراء ولإعلامييها كل واحد باسمه وصفته. شكرا بحجم السماء