شموخ الضمير في زمن الانكسار .. تحية إلى بيدرو سانشيز..

admin
2026-03-06T04:36:11+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin6 مارس 2026آخر تحديث : منذ يومين
شموخ الضمير في زمن الانكسار .. تحية إلى بيدرو سانشيز..
  • مصطفى قشنني

هناك لحظات في تاريخ العلاقات الدولية، لا تكون فيها المواقف مجرد قرارات سياسية عابرة، بل تتحول إلى علامات فارقة في مسار الضمير الإنساني. إنها لحظات يسقط فيها القناع عن الوجوه، وينكشف فيها المعدن الحقيقي للنفوس، ويُختبر فيها الإنسان حين يصبح في قلب السلطة، في مواجهة العاصفة. حين ترفض إسبانيا، هذا البلد الواقع على تخوم أوروبا، أن تكون ممراً لسفن الموت المحملة بالسلاح إلى الشعب الفلسطيني، فإنها لا تمارس فعلاً سياسياً عادياً، بل تقدم درساً في معنى أن تكون إنساناً، في زمن تلاشت فيه الإنسانية خلف ستائر المصالح.

إنّ هذا الموقف الإسباني ليس مجرد برقية احتجاج أو بيان شجب سرعان ما تذروه رياح النسيان. إنه فعل وجودي بامتياز، يتجاوز حدود الجغرافيا ورهانات السياسة التكتيكية. حين تعلن مدريد، في وجه الضغوط الأمريكية، أن موانئها ليست محطات عبور لأوهام المجانين الذين يتوهمون أن العالم مجرد رقعة شطرنج في أيديهم، فإنها تعلن فلسفة سياسية جديدة: فلسفة تضع الأخلاق في مرتبة سابقة على البراغماتية، وتجعل من الضمير بوصلة لا تعطب حتى في أحلك لحظات العواصف الدولية. إنها لحظة فلسفية بامتياز، تعيد تعريف معنى السيادة الوطنية، ليس بوصفها جداراً منيعاً يحمي المصالح، بل بوصفها حارساً أميناً للقيم الإنسانية التي تآكلت في زمن الانهيار العربي.

المفارقة الفلسفية الكبرى التي تطرحها هذه اللحظة هي أن إسبانيا، البعيدة جغرافياً عن فلسطين والمنسية تاريخياً في صراعات الشرق، باتت أقرب إلى روح العروبة الحقيقية من كثير من الأنظمة التي تتغنى بالعروبة صباح مساء. هنا تتجلى الحقيقة المرة: أن العروبة لم تعد رهينة دم يتدفق في العروق، بل صارت موقفاً أخلاقياً يُتخذ في لحظة الاختبار. إن من يدافع اليوم عن كرامة الفلسطيني ليس بالضرورة من يحمل جنسية عربية، بل من يحمل ضميراً إنسانياً لم يُصَب بعدُ بالجذام السياسي الذي أكل أنسجة كثير من النفوس. إنها صفعة مدوية في وجه أنظمة جعلت من القضية الفلسطينية ورقة مساومة، ومن دماء الأطفال عملة رخيصة في سوق الإنبطاح المكشوف.

لكن هذا الموقف، بقدر ما يضيء زوايا مظلمة في الذات العربية، يكشف عن جوهر الصراع الفلسطيني نفسه. إن الصراع مع الكيان الصهيوني لم يعد صراعاً على حدود أو أرض أو سيادة، بل تحول إلى صراع بين منطقين: منطق القوة العمياء التي تؤمن أن الحق يُصنع بحد السيف، ومنطق الضمير الذي يدرك أن الحق لا يموت حتى لو قتل أهله. الصهيونية، في جوهرها الفلسطيني، هي مشروع سياسي قائم على فكرة أن القوة هي مصدر الشرعية الوحيد، وأن التاريخ يُكتب بدماء المهزومين لا بوعي المنتصرين. ولذلك، فإن أي موقف يرفض هذا المنطق، أي موقف يقول لا لإرادة القوة المتوحشة، هو موقف ثوري حتى لو صدر من دولة أوروبية تقليدية. إنه يضرب في عمق الفكرة الصهيونية نفسها، ويكشف أن المشروع الصهيوني، رغم جبروته العسكري وهيمنته الإعلامية، يعيش حالة من الهشاشة الأخلاقية تجعله ينهار أمام أول اختبار ضميري حقيقي.

في زمن الانكسار العربي، حيث تتهاوى الأنظمة وتسقط الأقنعة، يصبح هذا الموقف الإسباني بمثابة مرآة نقدية تعكس صورة قبيحة لا تطيق كثير من النفوس رؤيتها. إنها تكشف أن الذي كان يعيق التحرر الفلسطيني ليس القوة الصهيونية وحدها، بل التواطؤ العربي الممنهج مع هذه القوة. لقد تمكن الكيان الصهيوني من اختراق الجسد العربي ليس بقوة جيشه فقط، بل بضعف الضمير العربي. هذا الضعف الذي جعل من القضية الفلسطينية قضية خطابية تموت كلما مات خطيب، وتولد كلما ولد شاعر. هذا الضعف الذي حول فلسطين من قضية وجودية تمس جوهر الأمة إلى مجرد فقرة في خطبة الجمعة أو بند في بيان القمة.

الحرية، كما يفهمها هذا الموقف الإسباني، ليست شعارات ترفع في الميادين الخاوية، بل هي قرار سيادي يُتخذ في لحظة المواجهة، حين يكون الثمن باهظاً والضغوط هائلة. إنها القدرة على أن تقول “لا” في وجه الإمبراطورية، وأن تتحمل تبعات هذه الكلمة وحدها، دون أن ترتجف اليد أو يضطرب القلب. هذه “اللا” ليست مجرد كلمة اعتراض، بل هي فعل فلسفي يعيد تعريف الذات الإنسانية بوصفها ذاتاً حرة، قادرة على الفعل الأخلاقي خارج إطار الحتميات المادية. إنها تقول إن الإنسان، حتى في قلب النظام الدولي، وحتى في مواجهة آلة الحرب الأمريكية، يمكن أن يظل سيد قراره، حراً في اختياراته، شامخاً في مواقفه.

إن الصراع على فلسطين، في التحليل النهائي، ليس صراعاً على قطعة أرض محتلة، بل هو صراع على معنى الإنسان. هل الإنسان مجرد كائن بيولوجي تدفعه غرائز البقاء والمصلحة، أم هو كائن أخلاقي تعلو قيمه على حساباته؟ إن الموقف الإسباني يجيب عن هذا السؤال بطريقة عملية: الإنسان هو ذلك الكائن الذي يستطيع أن يختار الحق ولو كان الثمن باهظاً، أن يختار الضمير ولو كانت المغريات عظيمة. في هذا الاختيار تتجسد حقيقة الإنسان، وفي التخلي عنه تموت الإنسانية.

ربما يرى البعض في هذا الموقف مجرد حالة استثنائية لن تتكرر، أو انعكاساً لحسابات سياسية داخلية لا علاقة لها بالأخلاق. لكن هذا الرأي نفسه هو جزء من المرض الذي نحاول تشخيصه. إنه يعكس يقيناً خفياً بأن السياسة لا يمكن أن تكون أخلاقية، وأن المصالح هي المحرك الوحيد للتاريخ، وأن الضمير مجرد زينة لا قيمة لها في ساحة المعركة. هذا اليقين هو أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية، لأنه يجعل من الخيانة قدراً، ومن التطبيع حتمية، ومن الانكسار قانوناً لا يقبل الجدل.

إن الموقف الإسباني، بكل ما يحمله من شجاعة نادرة، يفتح الباب أمام نقد جذري للواقع العربي. نقد لا يكتفي بشجب الإنبطاح أو استنكار الخذلان، بل يبحث في جذور هذا الخذلان، في الأعماق المظلمة للنفس العربية التي فضلت منطق القطيع على منطق الضمير. نقد يبحث في الأسباب التي جعلت الأنظمة العربية تبيع القضية الفلسطينية بأبخس الأثمان، وتتحول من حاضنة للثورة إلى حارسة للصهيونية.

هذا الموقف يعيد طرح السؤال الفلسفي الأبدي: هل يمكن للأخلاق أن تكون أساساً للسياسة؟ وهل يمكن للدولة أن تتصرف كذات أخلاقية في عالم لا يعترف إلا بلغة المصالح؟ الجواب الذي يقدمه الموقف الإسباني هو نعم، يمكن. ليس بمعنى أن السياسة ستصبح يوماً ما نقية من المصالح، بل بمعنى أن هناك لحظات يتجاوز فيها الإنسان مصلحته ليعلو إلى مرتبة الضمير. هذه اللحظات هي التي تخلد في الذاكرة، وتصنع الفارق بين عصور الظلمة وعصور النور.

إن شموخ الضمير في زمن الانكسار، هذا هو الدرس الفلسفي العميق الذي تقدمه هذه التجربة. إنه يذكرنا بأن الإنسان يمكن أن يظل إنساناً حتى في أحلك لحظات التاريخ، وأن الحق يمكن أن يجد من يدافع عنه حتى في أقصى بقاع الأرض، وأن العروبة ليست حكراً على من يتكلمون العربية، بل هي ملك لكل من يحملون ضميراً لا يساوم على كرامة الإنسان. هذا الشموخ هو وحده القادر على إنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا، في زمن تحولت فيه السياسة إلى تجارة رخيصة، وتحول فيه الإنسان إلى سلعة تافهة في سوق النفوذ والسلطة،

ولله في خلقه شؤون.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.