عجيب أمرهم.. عزيزأخنوش والوجه الأخر لحملة “نتلقاو فبلادنا” : “نتلقاو فسردينيا”..؟؟

admin
2025-08-10T13:57:57+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin10 أغسطس 2025آخر تحديث : منذ 7 أشهر
عجيب أمرهم.. عزيزأخنوش والوجه الأخر لحملة “نتلقاو فبلادنا” : “نتلقاو فسردينيا”..؟؟
  • مصطفى قشنني

في بلدٍ يُطلب فيه من المواطن البسيط  أن يكتفي بـ”السردين” كوجبة وطنية إن وجد إليها سبيلا، قرر رئيس حكومته أن يفرّ إلى “سردينيا” الإيطالية، حيث البحر أزرق، والجبال خضراء، والأسعار لا تُناقش، لأن من يدفع لا يسأل. عزيز أخنوش، الرجل الذي يملك مفاتيح السلطة والمال، قرر أن يترك خلفه شعبًا يكتوي بنيران الغلاء، ويبحث عن ظل شجرة في صيفٍ لا يرحم، ليقضي عطلته في جزيرة لا يعرفها حتى خرائط السياحة الداخلية التي يروج لها بنفسه.

الرجل الذي يطالب المغاربة بـ”نتلاقاو فبلادنا”، اختار أن “يتلاقى” مع أسرته في مطاعم “NAMMOS” الفاخرة، حيث لا يُسمع صوت الشاي المغربي، بل تُسكب كؤوس الأنخاب …… على أنغام البحر الأبيض المتوسط. رئيس حكومة المملكة، الذي يملك شركات تبيع للمغاربة كل شيء من البنزين إلى البصل، قرر أن يشتري لنفسه لحظة هدوء في جزيرة سردينيا، بعيدًا عن ضجيج الشعب الذي يطالبه بالحد الأدنى من الحياة.

لكن الهدوء لم يدم. فصور وفيديوهات تسربت، وفضحت ما كان يُراد له أن يبقى في الظل. أخنوش، الذي استأجر زوارق خاصة ليصل إلى المطاعم دون أن تلتقطه عدسات الهواتف، وجد نفسه في قلب عاصفة إعلامية، لا بسبب العطلة، بل بسبب التناقض الفاضح بين خطابه الرسمي وسلوكه الشخصي. الرجل الذي يطالب المغاربة بدعم السياحة الداخلية، قرر أن يدعم السياحة الإيطالية، ويمنح اقتصاد سردينيا دفعة من أموال شركاته التي راكمت أرباحًا فلكية من جيوب المواطنين خلال هذه السنة.

حين بلغه خبر التسريب، وقف عن الحديث على مائدة العشاء، وصرخ: «C’est inacceptable!» و«Qui ose faire ça?!» وكأن من التقط الصور ارتكب جريمة في حق الإنسانية، لا مجرد توثيق لحقيقة أراد لها أن تبقى مخفية. لكن الحقيقة، يا سي عزيز، لا تُخفى بزورق خاص، ولا تُدفن في رمال سردينيا. الحقيقة تطفو، كما يطفو السردين في زيت الغلاء الذي يغلي في كل بيت مغربي.

المشهد كله يبدو كاريكاتوريًا: رئيس حكومة يهرب من بلده الذي يعاني من أزمة غلاء يضرب كل شيء في مقتل، ليقضي عطلته في جزيرة فاخرة، ثم يغضب لأن أحدهم كشف المستور. وكأننا في فيلم هزلي، حيث البطل لا يريد أن يعرف الجمهور أنه يعيش حياة لا تشبه حياتهم. لكن الجمهور يعرف، ويشاهد، ويقارن، ويغضب. لأنهم لا يملكون ترف الهروب، ولا يملكون زوارق خاصة، ولا مطاعم “NAMMOS”، بل يملكون فقط “السردين”، الذي أصبح هو الآخر حلمًا بعيد المنال.

أخنوش، الذي يتصدر قائمة أثرياء “فوربس”، لا يرى في ذلك تناقضًا مع كونه رئيس حكومة شعب فقير. بل يرى أن من حقه أن يستمتع بما جناه من أرباح، حتى لو كانت تلك الأرباح من جيوب شعبه. الدعم الذي يُمنح لشركاته، من المحروقات إلى الفلاحة، لا يُناقش، لأنه جزء من “السياسة العمومية”. أما المواطن، فعليه أن يناقش فقط كيف سيدفع فاتورة الكهرباء، أو كيف سيشتري كيلوغرامًا من البطاطس دون أن يضطر لبيع هاتفه.

في هذا السياق، يصبح التسريب فضيحة، لا لأنه كشف مكان العطلة، بل لأنه كشف طبيعة السلطة. سلطة لا ترى في الشعب سوى أرقامًا في تقارير بئيسة، ولا ترى في الوطن سوى منصة لتراكم الثروة. سلطة تروج للسياحة الداخلية، لكنها لا تجرؤ على قضاء عطلتها في “إفران” أو “أكادير” أو حتى “السعيدية”، بل تفضل “سردينيا”، حيث لا أحد يسأل عن الأسعار، ولا أحد يشتكي من الغلاء.

الواقعة أعادت إلى الأذهان حادثة وزيرة السياحة، فاطمة الزهراء عمور، حين قضت عطلتها في “زنجيبار” في عز أزمة السياحة المغربية. وكأن الوزراء في المغرب لا يؤمنون بما يروجون له، بل يرونه مجرد شعارات تُقال في المؤتمرات، وتُنسى في المطارات. السياحة الداخلية؟ للمواطن فقط. أما النخبة، فلها الحق في أن تحلّق بعيدًا، حيث لا يُسمع صوت الاحتجاج، ولا يُرى وجه الفقر.

لكن لنكن واقعيين: هل كان أحد يتوقع غير ذلك؟ هل من المنطقي أن ينام رئيس حكومة في خيمة على شاطئ “المضيق”، أو أن يتناول “الحريرة” في مطعم شعبي في “تافراوت” أو ينعم ب”غرفية بيصارة” بشفشاون؟ بالطبع لا. لأن السلطة في المغرب لا تُمارس من موقع القدوة، بل من موقع الامتياز. الامتياز في السفر، في الأكل، في السكن، وحتى في الغضب. غضب أخنوش من التسريب ليس غضبًا من خرق الخصوصية، بل غضب من كشف التناقض. غضب من فضح ما يُراد له أن يبقى خلف الستار.

في بلدٍ تُصرف فيه الملايير على حملات “نتلاقاو فبلادنا”، يصبح من العبث أن يتلاقى رئيس الحكومة في بلاد غير بلاده. وفي بلدٍ يُطلب فيه من المواطن أن يستهلك المحلي، يصبح من السخرية أن يستهلك المسؤولون كل ما هو مستورد، من العطلة إلى السيارة إلى نمط الحياة. وفي بلدٍ يُقال فيه إن “المسؤولية تكليف لا تشريف”، يصبح من المهزلة أن يُعامل المسؤول كملكٍ صغير، له حاشية، وحماية، وسرية، وزوارق خاصة.

لكن السخرية لا تتوقف هنا. فالفريق التواصلي لأخنوش وجد نفسه في ورطة مزدوجة: كيف يبرر العطلة؟ وكيف يواجه الخطاب الشعبي؟ هل يقول إن رئيس الحكومة يحتاج إلى راحة؟ فيرد المواطن: وأنا؟ هل يقول إن العطلة كانت خاصة؟ فيرد المواطن: ومن دفع؟ هل يقول إن الصور مفبركة؟ فيرد المواطن: وهل فُبرك البحر؟ وهل فُبركت الموائد المخملية؟

الواقع أن هذه الحادثة ليست استثناءً، بل هي القاعدة. قاعدة أن المسؤول لا يُحاسب، بل يُصفق له. قاعدة أن من يملك المال يملك الحق في كل شيء، حتى في الغضب من الحقيقة. قاعدة أن الشعب يُطلب منه أن يصبر، بينما المسؤول يُطلب منه أن يستمتع. قاعدة أن “السردين” للمواطن، و”سردينيا” للمسؤول.

في النهاية، لا أحد يلوم أخنوش على رغبته في الراحة. لكن الجميع يلومه على التناقض. التناقض بين ما يقول وما يفعل. التناقض بين ما يروج له وما يعيشه. التناقض بين كونه رئيس حكومة شعب فقير، وكونه واحدًا من أغنى أغنياء العالم. التناقض بين “نتلاقاو فبلادنا”، و”نتلاقاو في سردينيا”.

وهنا، يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام رئيس حكومة، أم أمام رجل أعمال في عطلة؟ هل نحن أمام مسؤول، أم أمام مستفيد من السلطة؟ هل نحن أمام نموذج يُحتذى، أم أمام صورة تُخفى؟ وهل يحق لنا أن نغضب، أم أن الغضب أصبح امتيازًا آخر يُمنح فقط لمن يملك الزوارق واليخوت الخاصة؟

ربما الجواب في صورة واحدة، التُقطت في مطعم فاخر، لرجل يضحك، بينما شعبه يبكي. صورة تقول كل شيء، دون أن تنطق. صورة تُغني عن ألف خطاب، وألف حملة، وألف شعار. صورة تقول: هذا هو المغرب، فهل من يجرؤ على قول العكس؟

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.