عيدٌ بِأَيِّ حَالٍ عُدتَ يَا عِيدُ..

admin
2026-03-19T21:07:07+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin19 مارس 2026آخر تحديث : منذ 24 ساعة
عيدٌ بِأَيِّ حَالٍ عُدتَ يَا عِيدُ..
  • مصطفى قشنني

يأتي العيد هذا العام كسيفٍ مصلتٍ في وجه السؤال: أي عيد هذا الذي يطرق أبوابنا والنار تأكل الأخضر واليابس في غزة، وفي لبنان، وفي سوريا، وفي كل شبرٍ عربيٍ تمدّ يد الاحتلال الغاشم عبثها وتدميرها؟ أي عيد هذا الذي يحلّ علينا والمشروع الصهيوني يعدو كالوحش الكاسر من الفرات إلى النيل، يلتهم الأرض، يمحو الهوية، يبدد الحلم، ويعيد المنطقة إلى عصور الظلام والتبعية والانكسار؟ أي عيد هذا الذي نستقبله وأمتنا تتقلب في جحيم التخاذل الرسمي، بينما العدو الصهيوني وأسياده الأمريكيون يرقصون على أنقاض أحلامنا؟

إنه العيد الذي كان يوماً طقساً للفرح الجماعي، تحول في زمن الانهيار إلى كابوس فردي يعيد كل واحد منا إلى صومعته، يسأل فيها روحه: ما الذي تبقى منا بعد كل هذا الدمار؟ كنا أمةً تقرأ الهلال بعين البصيرة، فصرنا نقرؤه بعين الحيرة. كنا نرى في العيد معنى للعودة إلى الجذور، فصرنا نرى فيه مرآة لاغترابنا عن ذواتنا. العيد الذي كان يوحدنا صار يفضح تناقضاتنا. العيد الذي كان يجمعنا على الفرح صار يفرقنا على الألم. نحن اليوم أمام عيد لا يشبهنا، ونحن لا نشبه أنفسنا. نحن أمام عيدٍ يتساءل معنا: أين ذهبت الأمة التي كانت تقيم الدنيا ولا تقعدها حين يُمس كرامتها أو تُدنَس مقدساتها؟

في فلسفة التاريخ، ليست الأعياد مجرد تواريخ تعود، بل هي اختبارات لوعي الأمم. فالأمة التي تعجز عن صنع بهجة عيدها بنفسها، تكون قد فقدت القدرة على صناعة مستقبلها. أمة تنشغل بتفاصيل الاستهلاك والمظاهر، بينما يحرق العدو أطفالها، تكون قد فقدت بوصلتها. أمة ترى الجرح الفلسطيني ينزف منذ عقود، وتكتفي ببيانات الشجب والإدانة، تكون قد سلمت أمرها للموت. أمة ترى المشروع الصهيوني يعدو كالنار في الهشيم، وتتفرج، تكون قد أعلنت موتها الإرادي قبل موتها الحقيقي.

نحن اليوم أمام عيد استثنائي بكل معنى الكلمة. إنه عيد يأتي في لحظة فاصلة من تاريخ المنطقة، لحظة كل شيء فيها على المحك: الأرض، الكرامة، الوجود، المستقبل. العيد هذا العام ليس عيداً عادياً، إنه اختبار وجودي بامتياز. فإما أن نخرج منه وقد استعدنا وعينا وإرادتنا، وإما أن نخرج منه وقد سقطنا في الهاوية. إما أن يكون هذا العيد بداية الصحوة، وإما أن يكون شاهداً على السقوط النهائي.

ما يجعل المأساة أكثر عمقاً أن العدو لا يكتفي باحتلال الأرض وتدميرها، بل يسعى إلى احتلال العقل العربي وتدمير إرادته. المشروع الصهيوني الأمريكي اليوم لا يريد لنا أن نرى النصر، بل يريد لنا أن نعمى عن رؤية طريق الخلاص ذاته. يريد أن يقنعنا بأن لا فائدة، بأن لا أمل، بأن الاستسلام هو الحل الوحيد. يريد أن يحول اليأس إلى مشروع وجودي يقتل فينا كل بذرة مقاومة، كل بارقة أمل، كل رغبة في الحياة الكريمة.

لكن في عمق المأساة ذاتها، تبدأ الحكاية الأخرى. حين يصل الانحطاط إلى ذروته، تبدأ رحلة الصعود. حين يظن العدو أنه انتصر، تبدأ الهزيمة في التسلل إلى جيشه. حين تعم الظلمة، تبدأ الأعين في التعود على الرؤيا من جديد. الأمة التي أنجبت الحضارات، وأذهلت العالم، وقهرت الصليبيين، وهزمت المغول، لا يمكن أن تموت ببساطة. إنها تمرض، تغفو، تصحو، تتعثر، لكنها لا تموت.

العيد الحقيقي الذي ننتظره ليس ذلك الذي تحدده الأبراج والتقاويم، بل ذلك الذي نصنعه بأنفسنا. عيد النصر الذي سيكون يوماً مشهوداً. عيد تحرير الأرض والإنسان. عيد استعادة الكرامة والهوية. عيد تعود فيه فلسطين إلى أحضان أمتها. عيد يندحر فيه المشروع الصهيوني إلى غير رجعة. عيد يعيد ترتيب المنطقة على أسس العدل والحرية والكرامة الإنسانية.

حينها فقط، سيكون للعيد معنى. حينها فقط، ستشرق شمس جديد لا يعرفها اليأس. حينها فقط، سيكتب التاريخ أن هذه الأمة عادت من الموت أقوى مما كانت. حينها فقط، سيكون العيد عيداً حقاً. أما اليوم، فنحن نعيش عيد الانتظار، عيد الألم، عيد الإحباط عيد الخذلان، فأحرى بنا وأجدر أن نُردّد مع الشاعر الكبير المتنبي:

عيد باية حال عدت يا عيد*بما  مضى أم بأمر فيك تجديد..

وكل عيد و أنتم….  .

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.