- مصطفى قشنني
في عالمٍ يزداد فيه الصمت الرسمي تجاه المآسي، ويُختزل فيه الألم في أرقامٍ باردة على شاشات الأخبار، يخرج الفن من عباءته الجمالية ليصبح فعلًا مقاومًا، وصوتًا لا يُقمع، وضميرًا حيًّا يفضح الجلاد ويُخلّد الضحية. فيلم “صوت هند رجب” ليس مجرد عمل سينمائي صرف، بل هو وثيقة إنسانية تهزّ وجدان العالم، وتعيد تعريف دور الفن في زمن الإبادة والتجويع والحصار. هند، الطفلة الفلسطينية ذات الخمسة أعوام، لم تكن تعرف أنها ستصبح أيقونة عالمية للبراءة المذبوحة، ولا أن صوتها المرتجف قبل لحظات من القصف سيُعرض في أرقى مهرجانات العالم، ويُصفق له كبار النجوم لأكثر من اثنين وعشرين دقيقة. لكنها، بصوتها، بكلماتها، بحكايتها، اخترقت جدار الصمت، وأجبرت العالم على الإنصات.
كوثر بن هنية، المخرجة التونسية التي اعتادت أن تُحاكي الهامش وتُضيء على المنسي، لم تُخرج فيلمًا، بل فجّرت وجعًا. جعلت من السينما ساحة مواجهة، ومن الشاشة مرآة لضمير العالم. لم تُجمّل القصة، ولم تُخضعها لقواعد السرد التقليدي، بل قدّمتها كما هي: قاسية، موجعة، حقيقية. استخدمت التسجيل الصوتي لهند، لا لتثير الشفقة والرأفة، بل لتُجبر المشاهد على مواجهة الحقيقة دون وسائط، دون مؤثرات، دون تبريرات. هذا الصوت، الذي كان من المفترض أن يُدفن مع الطفلة، أصبح صرخة عالمية، يُسمع في فينيسيا، ويُبكي هوليود، ويُحرج الصامتين حين وقف خواكين فينيكس وروني مارا، ورفعوا صورة هند وسط التصفيق والدموع، لم يكن ذلك مشهدًا احتفاليًا، بل لحظة اعتراف: أن الفن لا يمكن أن يكون محايدًا أمام القتل أمام السفك أمام وديان الدماء، أن السينما لا تُعفى من مسؤوليتها التوثيقية و الأخلاقية، وأن النجومية الحقيقية لا تُقاس بعدد الجوائز، بل بجرأة الموقف. انضمام أسماء مثل براد بيت وألفونسو كوارون إلى قائمة المنتجين التنفيذيين للفيلم، هو إعلان واضح أن القضية الفلسطينية لم تعد تُقصى من المنصات الكبرى، وأن صوت الضحية بات أقوى من رواية وسردية الجلاد.
غزة العزّة، التي تُقصف وتُحاصر وتُجوّع منذ أكتوبر 2023، لم تعد مجرد عنوان في نشرة الأخبار العربية والدولية، بل أصبحت حكاية تُروى، ووجعًا يُعرض، وضميرًا يُحرّك. الفيلم لا يُطالب بالشفقة، بل بالعدالة والإنصاف. لا يُثير الحزن فقط، بل الغضب، والرغبة في التغيير. لقد أعاد “صوت هند رجب” تعريف السينما، ليس كفنٍ بصري، بل كفعلٍ سياسي، كأداة مقاومة، كمنبرٍ للحق. في زمن تُشترى فيه المواقف، وتُقمع فيه الأصوات، يصبح الفن هو السلاح الأخير، والصوت الذي لا يُسكت.
هذا الفيلم ليس نهاية، بل بداية. بداية لمرحلة جديدة من الفن الملتزم، الذي لا يخاف من قول الحقيقة. بداية لسينما تُعيد للإنسانية وجهها، وللضحايا صوتهم. هند، التي أبكت العالم، لن تُنسى. صوتها سيظل يُسمع، في كل مهرجان، في كل شاشة، في كل قاعة في كل بيت في كل قلب يؤمن بأن الفن يمكن أن يُغيّر العالم. لقد أثبت الفيلم أن السينما ليست فقط مرآة للواقع، بل يمكن أن تكون مطرقة تهدم جدران الصمت، وتفتح نوافذ للضوء. حين يُصفق العالم لهند، فهو لا يُصفق لفيلم، بل لطفلة، لحكاية، لقضية، لشعب. الفن، حين يكون صادقًا، لا يُقهر. وحين يكون إنسانيًا، لا يُنسى. لقد انتصر “صوت هند رجب” للإنسانية، للعدالة، لفلسطين. وفي زمن يُباع فيه كل شيء، يبقى الفن هو الشيء الوحيد الذي لا يُشترى، بل يُحسّ، ويُبكي، ويُغيّر.






