كيف تتحول القوانين إلى آليات لإنتاج “الطاعة والتسليم” في المنظومة المغربية؟

admin
2025-12-25T02:34:57+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin25 ديسمبر 2025آخر تحديث : منذ شهرين
كيف تتحول القوانين إلى آليات لإنتاج “الطاعة والتسليم” في المنظومة المغربية؟
  • مصطفى قشنني

ما يجري في المشهد التشريعي المغربي الحالي، خاصة في ملفات حساسة كالقانون  المهيكل للمجلس الوطني للصحافة على سبيل المثال ، هو تجلٍّ معاصر لآلية عميقة الجذور في الفعل السلطوي: تحويل القانون من أداة لتنظيم المجتمع وضبط الفعل العام، إلى أداة لـ “إنتاج الطاعة” عبر هندسة الخوف وإعادة تعريف المفاهيم. القانون هنا لا يُقرأ من خلال مواده فقط، بل من خلال السّياق الذي يُوَلَّد فيه، والجهة التي يُفترض أن “يحميها”، ومنسوب الرعب الضمني الذي يزرعه في نفوس من هم خارج دائرة الحماية تلك.

الخطاب الحكومي يستخدم لغة “الحماية” كغلاف فكري. حماية المواطن البسيط من التشهير أو الاتهامات الكيدية  أو حماية قطاع الإعلام من الفوضى والمهنية الزائفة… .

لكن التحليل السوسيولوجي يكشف أن هذه “الحماية أو التحصين المزعوم لقطاع الصحافة” هو في حقيقته عملية “تطهير” للفضاء العام. تطهيره من أي صوت نقدي حقيقي يمكن أن يعيد تعريف العلاقة بين المُتحكّمين والمحكومين، أو يسلط ضوءًا ثابتًا على آليات توزيع السلطة. الصحافة المستقلة، في هذا المنظور، ليست مجرد ناقلة أخبار، بل هي “مؤسسة معرفة مضادة”. تنتج معرفة لا تنطلق من المركز الرسمي، بل من هامش المراقبة والنقد. هذه المعرفة تشكّل تهديدًا وجوديًا للرواية الرسمية الأحادية، لأنها تكسّر احتكار تفسير الواقع. ومن هنا، فإن تشريع قانون يخنقها ليس انتقامًا، بل هو ضرورة “نظامية” لإعادة تأكيد احتكار إنتاج الحقيقة. المجلس الوطني للصحافة “المُقاس” ليس انتاجا عارضًا، بل هو الإطار القانوني الذي يحوّل الصحافة من سلطة رابعة إلى “وكالة حكومية للتواصل”، تنتج معرفة منضبطة، تكرس الرواية الأحادية ولا تعترض على هندسة التوزيع القائم للامتيازات وتكريس منطق  الباطرونا الإعلامية بموازاة مع الباطرونا السياسية الحكومية.

والأكثر دهشة في هذا المشهد هو “استعارة لغة الديمقراطية لقتل مضمونها”. العملية تجري تحت مظلة “الأغلبية البرلمانية”، أي في إطار الشكل الدستوري الأسمى. هذا لا يضعف الديمقراطية فحسب، بل يسمّمها من الداخل. الديكتاتورية الكلاسيكية تعلن عن نفسها، أما “ديكتاتورية الأغلبية”، فهي تستخدم صناديق الاقتراع والجلسات العلنية والتصويت لتمرير قوانين تكرس هيمنة فئة ضيقة. إنها تسخر من العقل الجمعي: نحن لم نلغِ البرلمان، بل نحن نستخدمه. نحن لم نحظر النقاش، بل نحن نخسره بالأصوات. هذا النموذج أكثر خطورة لأنه يُطبّع مع الاستبداد، ويجعل منه ممارسة روتينية مقنّنة ناعمة، لا انحرافًا استثنائيًا. وزير يفرض قانونًا، وآخر يرفض تعديلات، وثالث ينفرد بقرار، كل هذا ليس “عبثًا” بل هو تعبير عن منطق مركزي: أن السلطة، بمجرد حصولها على غطاء الأغلبية العددية، تتحول إلى كيان متغوّل فوق المساءلة، وفوق النقاش العمومي الحقيقي وهذه أشدّ الدكتاتوريات خطورة على الفضاء العام بالمفهوم “الهابرماسي” .

إن الهواجس التي صاحبت التصويت على هذا القانون  إمتزج فيها الخوف الحكومي ليس الخوف على الأمن العام بالمفهوم التقليدي، بل هو خوف من “الفوضى المعرفية”. الخوف من أن يكتشف المواطن أن “الأب” (السلطة الأبوية) ليس معصومًا، بل قد يخطئ. الخوف من انهيار أسطورة “الراعي الصالح” التي تُبنى عليها الشرعية الأخلاقية للمتحكّمين في عيون الكثيرين. لذلك، يصبح الدفاع عن “الصورة” أكثر أهمية من الدفاع عن “الجوهر”. والقتال من أجل قوانين تحمي هذه الصورة يصبح معركة وجودية.

إن ما تابعناه من عبث في سياق التصويت على القانون المشؤوم المنظم للمجلس الوطني للصحافة في الغرفتين، ليس مجرد صراع على مواد قانونية تشريعية. إنه تجسيد لمعركة أعمق: معركة السيادة على العقل الجمعي. عندما تفشل الحكومة في إقناع الناس بخطابها، تلجأ إلى “تجنيد القانون” لإجبارهم على الصمت، ليس بالقمع المباشر دائمًا، بل بتشريع الإطار الذي يجعل الكلام الحر مخاطرة غير محسوبة العواقب. إنها تحاول، عبر هذه القوانين، أن تُنتج مواطنًا جديدًا: ليس المواطن الناقد، الشريك، بل المواطن الخنوع الهلوع “المُطَأْطِئ الرأس”.

نعم، القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة، الذي كان  يُفترض فيه أن يكون صمّام أمان لحرية التعبير، خرج من رحم الأغلبية البرلمانية كمولود مشوه ينطبق عليه المثل المغربي الدارج (يدي ويد القابلة والحرامي يخرج أعور)، قانون يحمل جينات السيطرة، ويُعاني من فقر حاد في التمثيلية، وسوء استعمال التشاركية. قانون لا يرقى حتى إلى مستوى “الديكور الديمقراطي”، بل هو أقرب إلى ستارة سميكة تُخفي وراءها مسرحًا من العبث، حيث تُوزع الأدوار على المقاس، وتُقصى الأصوات الحرة كما تُقصّ أجنحة الطيور قبل أن تُرمى في القفص.

وزير الاتصال، الذي يبدو أنه قرأ فصول القانون على ضوء شمعة الباطرونا، يرفض التعديلات المقترحة من المعارضة، لا لعيب فيها، بل لأنها ببساطة لا تُرضي “الجهات المانحة” للسكوت. يريد مجلسًا وطنيًا للصحافة يُشبه صالونًا أرستقراطيًا، لا يُسمع فيه إلا صوت المديح، ولا يُوزع فيه إلا الشاي وكعب أغزال والابتسامات. أما الصحافيون المهنيون، أولئك الذين يشتغلون في الميدان، ويواجهون التهديدات، ويكتبون بضمير، فمكانهم – حسب هذا المنطق – خارج النص، خارج القانون، خارج اللعبة مهما كانت قذارة هذه اللعبة…ولله في خلقه شؤون..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.