في خضم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها جهة الشرق، وعلى وقع التحديات التنموية المتفاقمة، ينعقد بمدينة وجدة لقاء وزاريا “حول أهم محاور برنامج التجارة الخارجية 2025 2027” بشراكة بين كتابة الدولة في التجارة الخارجيةوالولاية حول موضوع التصدير والفرص المرتبطة به. اللقاء، الذي يحمل طابعا اقتصاديا في عنوانه، أُحيط بهالة سياسية لافتة، حيث تمّ فيه تغييب الأصوات الاقتصادية الحقيقية والإعلام – لم توجه لمنبرنا رسبريس أيّ دعوة للحضور -، بينما سيحضر الطيف السياسي المرتبط بالوزير المُشار إليه، عمر حجيرة، في توقيت يُفترض فيه أن يُفصل الفعل التنموي عن الحسابات الانتخابية.
يطرح هذا الحدث تساؤلات جوهرية حول دور الفعل السياسي في التنمية المحلية، وحول ما إذا كانت وجدة مؤهلة فعلا لتنظيم أنشطة من هذا النوع وهي تعاني من شلل اقتصادي واضح. فحسب العديد من المتابعين، المدينة لا تملك في الوقت الراهن ما تُصدّره سوى الشباب الحاملين للشهادات إلى مدن المركز أو إلى البطالة القسرية. وهو ما يجعل شعار التصدير، رغم نبل هدفه، يبدو كأنه واجهة لنشاط تغيب عنه الأولويات التنموية الحقيقية.
إن اختيار وجدة، في ظل هذا السياق، يفتح الباب أمام فرضية توظيف النشاط سياسيا، خاصة وأن الوزير المعني يستعد لخوض غمار الانتخابات المقبلة في هذه المدينة تحديدًا رغم أنه كان رئيسا فاشلا لمجلسها الجماعي لولايتين وبرلمانيا بارعا في “أطحين الكلام وتخراج العينين”وبضربة حظ كاتب دولة اللهم بارك وزد في ذلك. نعم، ومع توجيه الدعوة لطيفه السياسي دون انفتاح على الطاقات الاقتصادية والمؤسسات المهنية، تتولد فرضية الحملة السابقة لأوانها، التي تتخفّى خلف عنوان اقتصادي لا يعكس واقع المدينة، ولا يلتقي مع متطلبات التنمية الفعلية.
كان بالإمكان تنظيم هذا النشاط في مدن أخرى بجهة الشرق، مثل بركان أو الناظور، اللتين تملكان فعليا دينامية تصديرية معتبرة، سواء في المجال الفلاحي أو الصناعي. بل إنهما تستقطبان استثمارات فعلية، ولديهما نسيج إنتاجي وتجاري قادر على المساهمة في السياسات الوطنية للتصدير. فكيف يُغضّ الطرف عن هذه المدن، ويتم اختيار وجدة التي تغيب عنها البنية الإنتاجية في الوقت الراهن؟ وهل باتت بعض الأنشطة تُبرمج على أساس الحسابات الانتخابية بدل المؤشرات الاقتصادية؟
أكثر من ذلك، يسجّل العديد من الفاعلين المحليين غياب منهجية تشاركية في التحضير للقاء، وعدم إشراك المنظمات المهنية، والمقاولين، والجامعة، والمجتمع المدني المعني بالشأن التنموي. ما يوحي بأن النشاط يُدار من الأعلى دون استحضار الأرضية الحقيقية، ويطرح أسئلة حول شفافية التدبير، ونجاعة الإنفاق العمومي، وجدوى تنظيم تظاهرة ذات كلفة، في مدينة تعاني من ركود.
هذا الوضع يعيد إلى الأذهان الإشكالية البنيوية التي تعيشها جهة الشرق: غياب الرؤية التنموية، وتفكك الفعل السياسي، وهيمنة التموقعات الشخصية على منطق التخطيط الاستراتيجي. حيث تُنظّم الأنشطة وفق منطق البهرجة، ويُهدر الوقت والمال في تظاهرات لا ترتبط ببرامج واضحة، ولا تؤدي إلى نتائج ملموسة، بل تخلق انطباعا بأن الفعل العمومي أصبح أداة انتخابية بدل أن يكون أداة تنموية.
ووسط هذا الركام، تغيب النخب الاقتصادية الحقيقية، وتتوارى خلف جدران الصمت أو الانتقاد في المقاهي والنوادي، تاركة المجال لنخب أخرى تُراكم المناصب والتعويضات، وتعتبر المال العام غنيمة تُوزّع في كل محطة انتخابية. ويتحوّل النقاش السياسي إلى تمثيليات وولائم، بدل أن يكون مساحة للتفكير الجماعي والخطة الميدانية.
فوجدة، التي يجب أن تكون مختبرًا لتجريب النموذج التنموي، ما تزال عالقة بين الشك والانتظار، تقيم الأنشطة لكن لا تنتج السياسات، تستقبل الوزراء لكن لا تُطرح فيها الأسئلة الحقيقية، وتُنظّم اللقاءات، لكن تُغيب عنها المحاورون الحقيقيون. والنتيجة؟ مدينة تقترب من حافة الإنهاك، وجهة لا تزال تستهلك الخطاب دون صناعة واقع أفضل.
يبقى السؤال الجوهري هو: أين التنمية من هذه الأنشطة؟ أين الاستثمار الحقيقي؟ أين استراتيجية الإقلاع؟ وهل أصبحت الانتخابات تشكّل المعيار الأساسي في برمجة التحركات الوزارية؟ إن ارتباط السياسة بالتنمية لا يجب أن يكون موسميا أو ظرفيا، بل بناءً متواصلا يقوم على إشراك كافة الفاعلين، وعلى اختيار المواقع وفق منطق المردودية لا الولاء.
في هذا السياق، يتحمّل الطيف السياسي مسؤولية تاريخية، لأنه ما يزال يشتغل في دوائر مغلقة، ويكتفي بردود فعل تعكس حسابات ظرفية. وعلى الأحزاب أن تعيد صياغة علاقتها بالمجال، وأن تنتج برامج حقيقية تنبثق من الواقع وتستجيب لطموح المواطنين. أما الاستمرار في التدبير القديم، المبني على الولاءات والتوظيف السياسي للأنشطة الوزارية، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة وضياع البوصلة ولله في خلقه شؤون..
“لقاء التصدير” في مدينة البطالة.. قراءة في نشاط عمراحجيرة بوجدة والوجه الآخر للتنمية المفقودة؟..

رابط مختصر







