“مسرحية إعفاء رئيس المجلس العلمي المحلي لفجيج”: حين يتحوّل الغياب إلى جريمة ويصبح المُتضامن مذنبًا بحكم التفتيش..

admin
2025-08-04T03:32:28+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin4 أغسطس 2025آخر تحديث : منذ 7 أشهر
“مسرحية إعفاء رئيس المجلس العلمي المحلي لفجيج”: حين يتحوّل الغياب إلى جريمة ويصبح المُتضامن مذنبًا بحكم التفتيش..
  • مصطفى قشنني

كانت لتدوينةٍ على “الفيسبوك”. تدوينة وحيدة ــ يتيمة لكن جريئة ــ تضامنية مع غزة كانت كافية للإطاحة برئيس المجلس العلمي المحلي لفجيج، السيد بنعلي، من منصبه بكل “أناقة إدارية” وغموض بيروقراطي يُثير الإعجاب من قبل المجلس العلمي الأعلى.

والأدهى من ذلك والأمرّ، أن يخرج علينا السيد مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي الجهوي لجهة الشرق، ببيانٍ (صوت وصورة) يُشبه ورقةً نُسيت تحت مقعد التفتيش. يقول فيه إنّ الإعفاء لم يأت من الوزير التوفيق، بل من المجلس العلمي الأعلى، وكأنّنا نتحدث عن مؤسسة مستقلة لا علاقة لها بسياقات القرار الرسمي، أو كأنّ هذا التفصيل يغير شيئًا في حقيقة ما حدث: الإعفاء تم، والطريقة تسير وفق نسق قديم لا يتغيّر، مجرد وجه جديد… نفس الأداء.

واللجنة؟ أُرسلت في مهمة تفتيشية إلى مجالس جهة الشرق الثمانية، مرفقة بموظفٍ محلي ورئيس مجلس علمي آخر. ويا للغرابة! كيف يُفتش رئيس مجلس علمي زملاءه؟ بأي قانون؟ بأي أعراف؟ هل أصبح المجلس العلمي هيئة تحقيق داخلي يتبادل فيها الرؤساء أدوار المحقق والمتهم؟ أين الحياد؟ أين الموضوعية؟ أين تلك الشفافية التي لا تُفصّل حسب المقاس؟

هذا المشهد يُذكّرنا بمدير شركة يُجري تقييمًا لأدائه بنفسه، وهو أمر لا يبرع فيه إلا أولئك الذين يكتبون تقاريرًا عن أنفسهم ويُحسنون التصفيق لها.

لكن المُعضلة لا تكمن هنا فقط، بل في أنّ هذه اللجنة العجيبة لم تعثر على الخلل إلا في مجلس فجيج، لأن السيد بنعلي كان… غائبًا. ظرف طارئ، حادث عرضي، غياب استثنائي؟ لا يهم! في زمن اللجان، الغياب هو جريمة؛ والتضامن مع فلسطين هو خرقٌ مخلٌّ بالنظام الداخلي للمجالس العلميّة.

لكن دعونا نُذكّر السادة الأجلاء أنّ الغياب ليس حكراً على بنعلي. نعرف تمامًا، وبالأسماء والتفاصيل، أنّ العديد من رؤساء المجالس العلمية المحلية لا تطأ أقدامهم مقرات عملهم بالأيام، وأحيانًا بالشهور. لا أحد يسألهم، لا أحد يُحاسبهم، ولا لجنة تُرسل لتفتيش كراسيهم الفارغة. بل إن بعضهم يمارس التوقيع الإداري من على أريكة فيلّته المخملية، كما لو أن العمل الدعوي أصبح خدمة توصيل عبر الإنترنت.

وهناك من تجاوز الغياب، فأصبح من أصحاب المقاولات، والمشاريع العقارية، والأسهم في المدارس الخاصة، والبعض يملك من المال ما ينوء بحمله العصبة أولي القوة، وكل ذلك لا يمنعهم من الحديث عن الزهد والتقوى (وغرغري أولا تُغرغري)، بين فقرتين من خطبة مكتوبة سلفًا، لا يعرفون من كتبها.

فلماذا كانت غلطة بنعلي فادحة؟

هل لأنه صدّق أن التضامن مع غزة لا يُناقض رسالة العلماء؟

هل لأنه قال شيئًا خارج نص “التوازن الدعوي الرسمي”؟

هل لأنه آمن بأن الحقيقة تُقال… ولو على حساب المنصب؟

والأغرب أن قرار الإعفاء سُلِّم له من يد موظف مرافق للجنة، تحت نظر ورضا السيد بنحمزة نفسه، وبدلًا من الاعتراض، قال السيد بنعلي بكل صدق إن القرار كان “هدية من السماء”، ليُواصل دعوته بعيدًا عن الدوائر الرسمية التي اختارت البقاء في المنطقة الرمادية بين الموقف  واللا موقف.

إن ما نراه ليس مجرّد تجاوز إداري، بل انقلاب واضح على الضمير الديني الذي يُفترض أن يكون البوصلة داخل المجالس العلمية، فإذا بالتدوينة تُطيح، والغياب يُجرّم، والمال يُسامَح، والنفاق يُكافأ!

لقد أصبح الكرسي أهم من كلمة الحق، والصمت أعلى مرتبة من الجهر بالحقيقة، والحياد تجاه القضايا الكبرى معيارًا للثبات والرزانة والاستقرار.

وأنا أكتب هذا المقال ، أؤكد أنني لا أعرف السيد بنعلي شخصيًا، بل لأنني أعرف هذا النوع من القرارات، أعرف آلياته،أعرف  كيف يتستر على الأسباب الحقيقية وراء غطاء إداري هشّ يُشبه عبارة “صدرت التعليمات من فوق”.

لقد رأيت الإعفاء، لا لأنّه ضروري، بل لأنّه كان متوقعًا من آلة إدارية تعرف كيف تضحي  بالخارجين عن النص، حتى وإن كتبوا شيئًا يشبه الإنسان.

هذا إذًا ليس قرارًا… إنه مشهدٌ من فجيعة الطهر حين يُغتال،

ومثالٌ على أن اللجنة  التفتيشية المكلفة من طرف  المجلس العلمي، حين تُنزِل عقوبة على ضمير حيّ،

لا تعود علميًة… بل نمطيًة، سلطوية بامتياز.

وفي زمنٍ يُعفى فيه مَن حضر صوته وتغيب ظلاله، بينما يُحتفظ بمَن غاب جسدًا وروحًا، لا نملك إلا أن نقول لبعض “العلماء” : بارك الله في تغيبكم… ما دامت فلسطين لا تدخل ضمن جدول أعمالكم.

و أقول: يا  لجنة يُفترض أن تقرأ الواقع، صارت تكتب التقارير عن التغيب، وتنسى أن الغياب الحقيقي هو غياب الموقف، لا غياب الشخص.

وكفى  بالله وكيلا..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.