منير يتنازل عن “المشيخة العظمى” ويحتفظ بالسر الرباني في خزنة الإدارة..

admin
2025-08-21T03:06:14+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin21 أغسطس 2025آخر تحديث : منذ 7 أشهر
منير يتنازل عن “المشيخة العظمى” ويحتفظ بالسر الرباني في خزنة الإدارة..
  • مصطفى قشنني

كنت لا أريد الخوض في هذا الموضوع من جديد بعدما تناولته في مقالتين وصلتا إلى شرق وغرب المعمور ، وكان لهما الوقع الطيب على أغلبية القراء والمتتبعين لشؤون هذه الزاوية ، لكن خرجات شيخهم المتنازل عن “المشيخة العُظمى” استفزّني وأثار حفيظتي، فلا يُعقل  في الزاويةٍ ، حيث يُفترض أن يسكن الصفاء والسكينة والطمأنينة، يخرج علينا رجلٌ يتحدث عن “السر الرباني” كما لو أنه يحمل مفتاح الكون في جيبه، ويُوزّع البركة عبر توقيعه على الوثائق الإدارية. قال إنه يتنازل عن المشيخة، لكنه يحتفظ بالسلطة، بالمال، وبالسر. أي تنازل هذا الذي يُبقي صاحبه في قلب اللعبة؟ أي زهدٍ هذا الذي يُدار من خلف ستارٍ سميك من النفوذ والتمويل؟ لقد اخترع لنا شكلاً جديداً من التصوف: تصوف إداري، مالي، سلطوي، يُدار من مكاتب مكيفة، لا من خلواتٍ روحية.

ثم جاء التلميح الأخطر، حين أُقحم اسم الملك في نزاع عائلي داخلي، وكأن المؤسسة الملكية، بكل رمزيتها الدستورية والدينية، باتت تُستدعى لتزكية خلافات الأشقاء حول من يلبس عباءة الشيخ. وكأن الزاوية، التي يُفترض أن تكون منارة للزهد، تحولت إلى شركة عائلية تُدار بمنطق الوراثة، وتُسوّق قراراتها عبر تلميحات سياسية. هل بلغ بنا العبث أن نُقارن مقام أمير المؤمنين بمقام شيخ زاوية؟ هل أصبح اسم الملك بطاقة عبور لتثبيت النفوذ داخل مؤسسة روحية؟ وهل يُعقل أن يُستعمل خطاب ملكي كمرجع لتبرير تعيين شيخ؟ أي انحدار هذا الذي يجعل من التصوف المغربي أداةً لتسويق الولاء الزائف؟

كما أثارني ،الحديث عن “الإدارة” و”المالية”، وكأن الزاوية أصبحت مؤسسة تجارية تُدار بالحسابات البنكية، لا بالأذكار. عن أي إدارة يتحدث “الشيخ”؟ هل هي إدارة المريدين كزبائن؟ أم إدارة النفوذ داخل الدولة؟ أما المال، فحدّث ولا حرج. المال هو العصب الحقيقي، هو السر غير الرباني الذي يُحرّك كل شيء. الزوايا التي كانت تُعرف بالتقشف، صارت تُدار كمنصات استثمارية، تُوزّع فيها المناصب كما تُوزّع البركات، وتُحجز فيها المقاعد الأمامية لمن يدفع أكثر.

أما “السر الرباني”، فذلك فصلٌ آخر من المسرحية. ما هو هذا السر الذي لا يعرفه إلا الشيخ؟ هل هو وحيٌ خاص؟ هل هو شفرةٌ إلهية؟ أم مجرد مصطلح يُستعمل لتخدير العقول؟ من حقنا أن نسأل، ومن واجبهم أن يجيبوا. لكنهم لا يفعلون، لأن الجواب يُهدد المنظومة. لأن السر الحقيقي ليس ربانيًا، بل سلطويًا، ماليًا، وراثيًا.

الزاوية اليوم في مفترق طرق، لا لأنها تبحث عن شيخ، بل لأنها فقدت البوصلة. بين شيخٍ يتنازل ولا يتنازل، وشقيقٍ يُعيّن “بتلميح ملكي”، وفروعٍ تُعيد تدوير الخطاب الرسمي، وبين مريدين يُطلب منهم التصديق دون تفكير، وبين جمهورٍ يُشاهد هذا العبث ولا يملك إلا السخرية. التصوف المغربي، الذي كان يُفترض أن يكون ملاذًا للروح، صار حلبة للصراع، ومسرحًا للنفوذ، ومنصةً لتسويق الولاء الزائف.

كفى عبثًا. كفى ضحكًا على الذقون. كفى تجهيلًا باسم المقدس. دعوا الناس تتجه إلى دينها الحقيقي، بلا وسائط، بلا وسطاء، بلا شيوخٍ يُديرون المال ويتحدثون عن السر. دعوا الناس تتجه إلى العلم، إلى العقل، إلى النور. لأن ما يحدث اليوم ليس تصوفًا، بل تزييف. ليس زهدًا، بل طمع. ليس تربية روحية، بل إدارة مصالح.

وإذا كان لا بد من شيخ، فليكن شيخًا يعرف أن التواضع لا يُشترى، وأن السر الحقيقي لا يُحتكر، وأن اسم الملك لا يُستعمل كدرعٍ في نزاعاتٍ لا ترقى إلى مقامه. وليكن شيخًا يعرف أن الزاوية ليست شركة، ولا حزبًا، ولا منصةً للنفوذ، بل ملاذٌ للروح، حين تضيق الأرض بما رحبت.

لكن يبدو أن الأرض ضاقت فعلاً، وأن الروح تبحث عن مأوى خارج الزوايا، خارج الخطابات، خارج البلاغات. تبحث عن صدقٍ لا يُدار من خلف ستار، وعن نورٍ لا يُشترى، وعن دينٍ لا يُسوّق. تبحث عن الله… لا عن “السر الرباني” المعلّب في جيب شيخٍ يُدير الإدارة والمالية، ويُوزّع البركة عبر البلاغات السمجة التي تدينه …

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.