- مصطفى قشنني
من وعد بلفور الذي كتبته بريطانيا بالحبر السام على ورق التاريخ، إلى لحظة الاعتراف بدولة فلسطين، تبدو المسافة الزمنية وكأنها قرون من التيه، لا مجرد عقود. بريطانيا التي كانت ذات يوم تمسك بخيوط اللعبة، تعود اليوم لتقول: نعم، هناك شعب، وهناك أرض، وهناك حق. لكن هل يكفي الاعتراف ليُبعث الوطن من تحت الأنقاض؟ هل يكفي أن تُقال الكلمة بعد أن أُزهقت الأرواح، وتكسرت البيوت، وتفتت الجغرافيا إلى شظايا لا تُجمع؟
فلسطين اليوم ليست دولة كما تُفهم في كتب القانون الدولي، بل هي كيان يتنفس بصعوبة تحت ركام الاحتلال، وتحت وطأة الاستيطان الذي ينهش الأرض كما تنهش النار الهشيم. هي ليست دولة ذات سيادة، بل حلم يتنقل بين الحواجز العسكرية، ويُفتش في المعابر، ويُقصف في الليل، ويُدفن في الصباح. الاعتراف لا يصنع دولة، بل يضع حجرًا في طريقها الطويل نحو التحقق، حجرًا قد يُبنى عليه، أو يُلقى في بئر النسيان.
الدولة، كما يعرفها العالم، هي سلطة، وسيادة، وحدود، وجيش، واقتصاد، ومؤسسات. أما فلسطين، فهي اليوم جغرافيا ممزقة بين غزة المحاصرة والضفة المقطعة، وبين القدس التي تُهوّد كل يوم، وبين الشتات الذي يحمل مفاتيح البيوت القديمة في جيوبه ولا يجد لها أبوابًا. هي دولة في الوجدان، في الأغاني، في قصائد محمود درويش وسميح القاسم، في دموع الأمهات، لكنها ليست دولة في ميزان القوى، ولا في خرائط السياسة.
الاعتراف البريطاني، وإن كان يحمل رمزية تاريخية، لا يغير من الواقع شيئًا إن لم يُترجم إلى فعل. الاعتراف الذي لا يُوقف الاستيطان، ولا يُرفع الحصار، ولا يُحاسب القتلة، يبقى مجرد بيان صحفي يُقرأ في قاعات الأمم المتحدة ويُنسى في دهاليز المصالح. الاعتراف الذي لا يُعيد الأرض إلى أصحابها، ولا يُحرر الأسرى، ولا يُنهي الاحتلال، هو كمن يضع وردة على قبر ويظن أنه أحيا الميت.
لكن رغم كل هذا، يبقى الاعتراف لحظة تاريخية، لحظة تُشبه ومضة برق في ليل طويل. قد لا تُضيء الطريق، لكنها تُخبرنا أن هناك سماء، وأن هناك من يرى. فلسطين لا تحتاج إلى اعترافات فقط، بل إلى إرادة دولية تُجبر المحتل على التراجع، تُعيد الحقوق إلى أصحابها، تُنهي زمن الإفلات من العقاب. فلسطين تحتاج إلى عدالة لا تُقاس بموازين القوة، بل بموازين إعادة الحق إلى أصحابه.
الدولة لا تُولد من رحم الاعترافات، بل من مقاومة طويلة، من صمود لا يُكسر، من شعب يرفض أن يُمحى. فلسطين هي الدولة التي تُكتب بالدم، وتُرسم بالحجارة، وتُغنى بالأمل. هي الدولة التي لا تموت، حتى لو ماتت الجغرافيا، لأنها تعيش في كل قلب يؤمن بها، في كل طفل يُولد تحت القصف ويصرخ: أنا هنا.
فهل يكون الاعتراف البريطاني بداية النهاية للاحتلال؟ أم مجرد فصل جديد في رواية طويلة من الخذلان؟ الجواب لا يأتي من لندن، ولا من الأمم المتحدة، بل من الأرض نفسها، من فلسطين التي تُعيد تعريف الدولة كل يوم، لا ككيان سياسي، بل كحلم لا يُقهر، كحق لا يُنسى، كجذور لا تُقتلع.
الدولة ليست فقط ما يُعترف به، بل ما يُقاتل من أجله، ما يُصان، ما يُبنى رغم الجراح. وفلسطين، رغم كل شيء، تبقى الدولة التي لم تولد بعد، لكنها تنبض في رحم التاريخ، تنتظر لحظة الميلاد، لا من اعترافات الآخرين، بل من إرادة أبنائها الذين لا يعرفون الهزيمة.







