وزارة الأوقاف: حين يتحول الدين إلى “شرطة مرور” تتحسّس أنفاس المصلين!

admin
2026-03-01T21:27:18+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin1 مارس 2026آخر تحديث : منذ 6 أيام
وزارة الأوقاف: حين يتحول الدين إلى “شرطة مرور” تتحسّس أنفاس المصلين!
  • مصطفى قشنني

تقرير وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حول ضبط 1313 صلاة بالقبض وليس بالسدل، و28 مسجداً لم يقرأ فيها الحزب الراتب، و27 أذاناً ملحناً مخالفاً للتقاليد المرعية في الدار البيضاء وحدها..

تخيلوا معي لو أن الوزارة لم تكتشف هذه “المؤامرة العظمى” في الوقت المناسب… تخيلوا لو أن الـ1313 مصلياً استمروا في قبض أيديهم دون رادع… أو الأسوأ، لو أن الـ28 مسجداً واصلت تجاهل الحزب الراتب… أو الكارثة الكبرى، لو أن الـ27 مؤذناً استمروا في تلحين الأذان… لكانت الدولة “كلها انهارت”، ولانهدمت قواعد الإسلام، ولتحول المغرب إلى أرض بدعة وضلال!

أيها السادة في وزارة التوفيق، إنني أتقدم إليكم بخالص التهنئة على هذا الإنجاز التاريخي الباهر. لقد أنقذتم الأمة من الانهيار، وحافظتم على الدين من الضياع. فمن كان سينقذنا لو تركتم الناس يصلون كيفما يشاؤون؟ من كان سيحمي العقيدة لو لم تراقبوا كيف يضع المصلي يده اليمنى على اليسرى؟ من كان سيوقف زحف البدعة لو لم تضبطوا المؤذن الذي تجرأ وأذن بنغمة مختلفة نشاز؟

حقاً، إنها تضحيات جسام! “رجال أمن الأوقاف” يتسللون خلف المصلين وفي غفلة منهم ، يسجلون حركاتهم، يراقبون سكناتهم، يدونون الملاحظات: “هذا قبض يده، وهذا سدلها، وهذا أذن بطريقة غير مرعية، وهذا نسي الحزب الراتب”… يا له من عمل استخباراتي عظيم ليس لكم من ورائه سوى الجزاء الأوفى في الدارين؟؟!

يا سادة، يا وزارة الأوقاف،  بالله عليكم، هل هذه هي أولوياتكم؟ هل أصبحتم تمتلكون طاقة بشرية وميزانية ضخمة لتتبع حركات المصلين وسكناتهم؟ هل أصبح الهم الأكبر عندكم هو كيف يضع المواطن يده في الصلاة ؟!

والعجيب أن هذه التقارير تُنجز بكل جدية، بكد واجتهاد، تجمع معلومات وتُدبّج في تقارير تافهة. ربما كان لهذا معنى لو كنا في زمن الخلافات الفقهية الكبرى حول “القبض” و”السدل”، لكننا في زمن يعاني الأئمة والخطباء من أوضاع مادية مزرية، لدرجة أن بعضهم يقتات مما يجود به عليه المحسنون !

تصوروا: إمام مسجد، يقضي وقته في تدريس القرآن وإمامة المصلين وخطبة الجمعة، يتقاضى أجراً لا يكفيه للحدّ الأدنى للعيش الكريم، بينما الوزارة منشغلة بمراقبة كيف يضع يده في الصلاة. أليس هذا عبثاً بعينه؟

والأدهى من ذلك، أن الوزارة تملك من الإمكانيات ما يمكنها من إصلاح الخلل الحقيقي، لكنها للأسف منشغلة بالشكليات والقشور. لماذا لا تنشغل هذه الوزارة بتحسين أجور الأئمة والخطباء؟ لماذا لا تطور المساجد لتؤدي دورها التنويري والتثقيفي الحقيقي في مواجهة تحديات العصر؟

تخيلوا معي لو أن هذه الطاقات صرفت في تجديد الخطاب الديني، في تحديث مضامين الدروس والمواعظ، في جعل المسجد منارة ثقافية وفكرية، في محاربة التطرف والغلو، في معالجة القضايا المجتمعية الملحة كالبطالة والطلاق والعنف والفساد وسرقة المال العام ووو.. كم كان سيكون الوضع مختلفاً؟

لكن للأسف، نحن أمام وزارة تعيش في العصور الوسطى، تحارب من أجل “التلحين في الأذان” وكأن الأذان كان يقرأ طوال التاريخ بنفس النغمة والإيقاع. ومنذ متى كانت التقاليد المرعية في الأذان ثابتة؟ أليست هذه تقاليد بشرية قابلة للتطور والتجديد؟

والأغرب من ذلك، أن هذه الوزارة تملك مجالس علمية كاملة أو أغلبها معطلة، يرأسها شيوخ تجاوزوا  أو قاربوا الثمانين من العمر، وأعضاؤها يتقاضون أموالاً سخية دون أن يقوموا بأدنى مجهود يذكر. رجال لا يحركون ساكناً، ينامون في اجتماعاتهم، يستلمون رواتبهم في نهاية الشهر، والوزارة صامتة!

أين هي التقارير عن هؤلاء؟ أين هي المراقبة على هؤلاء الذين يستغلون مواقعهم لمراكمة الملايين وانجاز المشاريع الشخصية والعائلية؟ أين هي الحركات الانتقالية التي قد تجدد الدماء في هذه المجالس، مثلها مثل باقي موظفي الدولة وأطرها؟

بالله عليكم، أيهما أولى: أن تراقبوا كيف يصلي الناس، أم أن تراقبوا من يفسدون الدين باسمه، ومن يتاجرون بالفتوى، ومن يحولون المساجد إلى منابر لتجييش الناس ضد بعضهم؟

صدق الشاعر حين قال:

“أغاية الدين أن تزجوا شواربكم *** يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”

نعم، إنها أمة ضحكت عليها الأمم من جهلها، حينما تنشغل بالقشور وتترك الأصول، حينما تنشغل بتتبع أنفاس المصلين وتترك المفاسد الحقيقية تنخر في جسد الأمة.

نحن لا نريد وزارة أوقاف تتحول إلى مصلحة للشرطة الدينية، نريد وزارة تنوير وتثقيف وإصلاح. نريد وزارة تعيد للمسجد دوره الحضاري، لا أن تحوله إلى ثكنة عسكرية تراقب حركات  المصلين.

نريد وزارة تهتم بإحياء روح التسامح والوسطية، لا أن تخلق مشاكل من العدم. نريد وزارة تعالج القضايا الكبرى، لا أن تصطاد في الماء العكر.

نريد وزارة تتابع من يتاجرون باسم الدين، لا من يرفع يديه في الصلاة أو يسدلهما. نريد وزارة تجدد الخطاب الديني، لا أن تجمد الناس على شكل معين من العبادة.

بصوت هادئ نقول:حين تتحول الوزارة المسؤولة عن الشأن الديني إلى مجرد جهاز رقابي على حركات المصلين وسكناتهم، فهذا يعني أنها فقدت البوصلة، وأنها في حاجة ماسة إلى إعادة هيكلة شاملة، وإلى دماء جديدة تعيد لها الاعتبار.

أما آن الأوان أن تراجعوا أولوياتكم؟ أما آن الأوان أن تتركوا الناس وما يعتقدون في فروع الفقه، وتنشغلوا بما ينفع الناس ويمكث في الأرض؟

أما آن الأوان أن تعلموا أن الإيمان ليس في كيفية وضع اليدين في الصلاة فقط، بل في الأخلاق والمعاملات والصدق والأمانة وحسن التعامل مع الناس؟

إننا ننتظر وزارة أوقاف حقيقية، وزارة تليق بمكانة المغرب ودوره الريادي في العالم الإسلامي كمنارة لإمارة المومنين، لا وزارة تنشغل بالتافهات، وتضيع الوقت فيما لا ينفع ولا يفيد الناس.

فالله المستعان على ما تصفون، وعلى ما ترصدون، وعلى ما تدبجون من تقارير تافهة، والناس في أمس الحاجة إلى دين يريحهم، لا إلى جهاز يتحسس أنفاسهم.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.