يا عمر يا حجيرة أنتم من يكرّس خطاب التيئيس وأنتم من يتحمل مسؤولية عزوف الشباب عن السياسة ..

admin
2025-07-29T21:30:00+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin29 يوليو 2025آخر تحديث : منذ 7 أشهر
يا عمر يا حجيرة أنتم من يكرّس خطاب التيئيس وأنتم من يتحمل مسؤولية عزوف الشباب عن السياسة ..
  • مصطفى قشنني


في زيارته الأخيرة لمدينة وجدة، ألقى الوزير  عمر حجيرة، خطابًا تحدث فيه عن الطاقة الإيجابية، في إطار  برنامجه الذي يروم  دعم التصدير كمحرك للتنمية، لكنه لم يتطرق بصدق إلى الأسباب العميقة التي جعلت المدينة تعيش حالة من الجمود منذ عقود. فهل يعقل أن وجدة، التي كانت ذات يوم بوابة المغرب الشرقية، تحولت إلى عنوان للخيبة والإقصاء؟ وهل يمكن الحديث عن الأمل دون محاسبة من زرع اليأس والإحباط؟
نعم، في لحظة مشوبة بالتصفيق المصطنع والابتسامات المشوبة بالارتباك، وقف الوزير وسط قاعة مدينة وجدة متحدثًا عن التصدير “تصدير الكلام” ، عن مستقبل واعد ينتظر أبناء جهة الشرق. وكان المشهد أشبه بلوحة رمادية يعلوها غبار الكلمات المنمقة، تُرسم فيها وعودٌ لا تجد لها أثرًا في أرضٍ عرفت التهميش أكثر مما عرفت الأمل. فالطاقة التي تحدّث عنها الوزير ليست سوى صوت يتردد في فضاء تعب من التكرار، وملّ من خطابٍ يتكلم عن الحياة بينما الواقع يكاد يختنق.
الوزير عمر حجيرة، الذي ينتمي إلى عائلة احتكرت القرار المحلي لعقود عديدة، يبدو وكأنه ينسى أو يتناسى أن خطاب التيئيس الذي يتحدث عنه هو نفسه أحد أبرز صانعيه. فالمدينة عاشت تحت تأثير سلطة أسماء مكرّسة: من الأب إلى الأخ الوزير ثم كاتب الدولة في انتظار الأنجال، جميعهم تداولوا المناصب دون تقديم نموذج تنموي يُذكر. بل كانت ولاياتهم، على مستوى البلدية والبرلمان والشأن الحكومي، عنوانًا للفشل والرتابة والجمود. فأين هي المشاريع التي وعدوا بها؟ وأين هي المبادرات التي قيل إنها ستعيد لوجدة مكانتها ؟

الشباب في هذه المدينة، بل في المغرب عامة، باتوا يشكّكون في جدوى الانخراط في العمل السياسي. فكلما طُرح خطاب جديد، وُجِدَ خلفه نفس الوجوه، نفس الوعود، ونفس خيبات الأمل. لم تعد صناديق الاقتراع تستهويهم، لأنهم يدركون أن النتيجة لا تتغير، وأن المخطط معدّ سلفًا لإبقاء الأمور على حالها. أليست هذه هي البيئة المثالية لتفشي التيئيس؟

أكثر من نصف الشباب المغربي يفضل اليوم الهجرة، ليس حبًا في الغربة، بل هروبًا من واقع لا يُلبي الطموح، ولا يمنح فرصة للكرامة. هؤلاء الشباب لم يجدوا منصات للإبداع ولا مساحات للتعبير. الجامعة أصبحت مجرد محطة عبور، والتعليم لا ينتج مواطنًا فاعلًا بل يُغذّي الإحباط. وفي وجدة، حيث الحدود قريبة أكثر من الدولة، يصبح قرار الرحيل أكثر واقعية من قرار الانتظار.

السياسيون الذين يتحدثون عن الأمل يجب أن يتحملوا أولًا مسؤولياتهم عن خيبات الماضي. فلا يُمكن إلقاء اللوم على المواطن دون مراجعة خطابات السلطة، ولا يُمكن تجميل الواقع بالوعود بينما تُمارَس نفس السياسات. فهل يُعقل أن نفس الحزب، بنفس الأسماء، يظل متحكمًا في مصير مدينة دون مساءلة ولا تقييم حقيقي؟

المطلوب اليوم ليس خطابًا جديدًا، بل فعل جديد. المطلوب إشراك الشباب، دعمهم، فتح المجال أمام الكفاءات، وإنهاء احتكار المناصب. التنمية لا تُصنع بالخطب، بل بالأفعال. ووجدة تستحق أن تخرج من عباءة التيئيس، لتصبح نموذجًا للانطلاق بدل أن تبقى عنوانًا للهروب.

في النهاية، إذا أردنا بناء وطن لا يُغادره شبابه، فيجب أولًا أن نمنحهم وطنًا يؤمن بهم. لا وطنًا تُكرّس فيه العائلات، وتُغلق فيه الأبواب، ويُشجّع فيه الرحيل أكثر من الأمل. فهل من يسمع؟ وهل من يجرؤ على التغيير الحقيقي؟

المسؤولون الذين يتحدثون عن التيئيس، لا يدركون أنهم هم صانعوه. لا يدركون أن خطاباتهم المرتجفة، وقراراتهم الموسمية، وعلاقاتهم الفوقية مع المواطن، هي ما زرع الفتور واليأس والشك. لا يدركون أن وجدة لم تطلب المستحيل، بل طلبت فقط عدالةً مجالية في التنمية، وكرامةً في العيش، وصدقًا في الوعود. فهل هذا كثير؟

لعل ما تحتاجه المدينة ليس المزيد من الخطابات، بل المزيد من الشجاعة. أن يقول أحدهم الحقيقة دون تجميل أو ماكيياج، أن يعترف بالفشل، أن يترك المجال لغيره، أن يؤمن أن الكفاءات لا تُقاس بالانتماء العائلي، بل بالقدرة على البناء. وجدة تستحق أن تتنفس. أن تُعاد كتابتها من جديد، بقلمٍ لا يخشى المحاسبة، وبخطةٍ لا تُبنى على شعارات.

انتهى زمن الخطابات الإنشائية التي تستخف بذكاء الشباب المغربي وتراهن على تكرار الشعارات الخاوية. هذا الجيل لم يعد يتلقى المعلومة بصمت، بل يراقب ويفكك ويحلل، وينخرط يوميًا في نقاشات حية وواعية عبر فضاءات رقمية تحوّلت إلى منصات للرأي والنقد والمساءلة.

لم تعد وسائل الإعلام التقليدية قادرة على احتكار السرد، فالشباب بات ينحت لغته الخاصة، يستند إلى تجارب عالمية، وينتج خطابًا يتجاوز المزايدات السياسية. عقل نقدي متّقد وممارسة تحليلية تزداد عمقًا، ترسّخ وعيًا جماعيًا يرفض التلقين ويطالب بالوضوح والمصارحة والحوار.

السياسي الذي لا يزال يحنّ للخطابة النمطية ويعتبر التكرار استراتيجية للتأثير، يصطدم بواقع جديد: جمهور شبابي لا يرضى بالعموميات ويُسائل ما وراء الكلمات. باتت المصداقية شرطًا أساسيًا لأي علاقة متينة بين المؤسسات والمواطنين.

ولذلك، فإن تجاهل هذا التحول الذهني والاجتماعي لن يقود إلا إلى مزيد من القطيعة والخيبة. المطلوب ليس تبنّي لغة شبابية سطحية، بل احترام عمق الرؤية الشبابية المتطورة، والاعتراف بأن النقد ليس خصومة، بل علامة حياة فكرية لا يمكن الاستهانة بها. هذا الجيل لا يُدوَّخ… بل يُصغى إليه يا معالي كاتب الدولة المكلف  بالتجارة الخارجية….

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات تعليقان

  • وجديوجدي

    للاسف مدينة وجدة تعاني من فوضى في جميع المجالات ينبغي تدارك الأمر قبل فوات الاوان

  • نسمةنسمة

    ما لم تُفسَح للشباب المساحات، وما *لم يُصغَ إلى أصواتهم، و أصوات الكفاءات، ستبقى السياسة في نظرهم لعبة الكبار، .المكرسة للتكرار الاجوف و اليأس القاتل.
    ما جدوى الكلام و الاسطوانات المشروخة يا سادة الحقل السياسي الوجدي ؟؟؟؟؟ إن كانت و ما زالت دار لقمان على حالها ؟؟؟؟؟؟