في انتظار السرعة الواحدة : وجدة ومحنة الاختلال المجالي..

admin
2025-08-06T02:17:37+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin6 أغسطس 2025آخر تحديث : منذ 7 أشهر
في انتظار السرعة الواحدة : وجدة ومحنة الاختلال المجالي..
  • مصطفى قشنني

في الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش ، قدّم الملك محمد السادس قراءة دقيقة لحالة التنمية في المغرب، تجاوز فيها الإشادة بما تحقق إلى مساءلة ما لم يُنجز بعد. لم يكن خطابًا استعراضيًا بقدر ما كان مساءلة وطنية مفتوحة، تنهض من إدراك حاد بأن الأرقام مهما ارتفعت، ومهما اتّسعت البنيات التحتية، فإن التقدم الحقيقي يُقاس بمدى انعكاسه على المواطن، في حياته اليومية، في كرامته، وفي شعوره بالانتماء. وفي جوهر الخطاب الملكي السامي، لم تخرج الجملة المحورية عن هذا التصور: “لن أكون راضياً مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية إذا لم تساهم بشكل ملموس في تحسين ظروف عيش المواطنين”.

هذه العبارة ليست فقط تفكيكًا للمنجز، بل هي تعبير عن عمق الأزمة التنموية في بعدها الاجتماعي والمجالي. إذ رغم المشاريع الكبرى في قطاعات واعدة كالطاقة واللوجستيك والفلاحة والرقمنة، ورغم المكانة المتنامية للمغرب في محيطه الإقليمي والدولي، فإن الواقع لا يزال يحتفظ بصور صارخة لمناطق لم تصلها بعد ثمار النمو، لأسر لا تزال تقاوم الهشاشة، ولجهات تعيش الإقصاء التنموي كما لو أنه قدر جغرافي.

مدينة وجدة، في قلب هذا النقاش، تُمثّل حالة فاضحة من الانفصال بين الخطاب الوطني ورهانات العدالة المجالية. المدينة التي كانت يومًا بوابة المغرب نحو الشرق، ومركزًا ثقافيًا وعلميًا وتاريخيًا، باتت اليوم نموذجًا للتقهقر العمراني والركود الاقتصادي والانكماش المجتمعي. وجدة لا تعاني فقط من ضعف الاستثمار أو غياب المشاريع الكبرى، بل من تآكل مؤسساتها ومن تخلي الفاعلين المحليين عن أداء أدوارهم، ومن غياب من يدافع عنها في مركز القرار. المدينة باتت تفتقر إلى سردية تنموية تُقنع ساكنتها بالبقاء، وإلى رؤية تربط الإمكانيات بالآفاق، في وقت تغرق فيه مصالحها المحلية في الصراعات الشخصية والانقسامات السياسوية.

منذ أكثر من ثلاثة عقود، لم تتمكّن المدينة من بلورة مشروع تنموي حقيقي. تعاقبت على مؤسساتها مسؤولون لا يحملون في حقائبهم سوى خريطة المصالح، وتمزّقت المجالس المنتخبة بين منطق التموقع والرغبة في تصفية الحسابات، وغابت عنها الإرادة المشتركة التي تُعيد للمدينة اعتبارها. النتيجة لا تحتاج إلى الكثير من الوصف: بنية تحتية مهترئة، طرقات محطّمة، إنارة عمومية منعدمة، نقل حضري دون كرامة، بطالة وهشاشة هي الأعلى في المغرب، وخدمات إدارية تميل إلى الانغلاق بدل أن تنفتح على المواطن. الأسوأ من ذلك، هو الشعور العام في أوساط الساكنة بأن المدينة أُقصيت، لا فقط من حقها في التنمية، بل من حقها في الحلم.

ومع كل هذا الواقع، لا تزال الخطط المركزية تُراهن على منطق التمييز  وتكريس المفارقات؛ ذات الجهات التي تحظى دائمًا بنصيب الأسد من المشاريع، وذات الجهات التي يُستثنى منها التفكير. جلالة الملك، في خطابه، أدرك هذه المفارقة وقالها بصراحة: “لا مكان اليوم وغداً لمغرب يسير بسرعتين”. إنها إدانة واضحة للنموذج التنموي غير المتوازن، وتعويض للتقارير بالتصريحات السياسية الحاسمة. فإذا كانت هناك جهة تستحق أن تُدرج في قائمة الأولويات، فلن تكون إلا الجهات التي ضُعف حضورها، وكثُر صمتها، وتعاظم هامشها.

إن الحديث عن الجهوية المتقدمة لا يجب أن يبقى مجرد شعار دستوري، بل يجب أن يكون أداة لتصحيح المسار، لبناء نموذج تنموي يضع في قلبه الجهات المُقصاة، ويعيد التوازن للمجالات الترابية، لا بالمنطق الإغاثي بل بمنطق الاستثمار والإدماج والتمكين. التنمية ليست أن تُشيّد الطرق، بل أن تربط الإنسان بالمنشأة، وتُعيد إليه الشعور بأن حياته جزء من معادلة تُحسب، لا من هامش يُتجاوز. ولكي يتحقق هذا التحول، لا بد من مغرب يسير بسرعة واحدة، بخطى واحدة، وبرؤية لا تفرق بين المركز والهامش إلا بحسب الحاجة، لا بحسب التاريخ السياسي.

لا أحد يطلب من الدولة أن تخلق معجزات، بل أن تُعيد التوازن، وتُنصت لنبض المدن التي غابت عنها التنمية لسنوات. وجدة اليوم لا تطلب امتيازًا، بل إنصافًا. تطلب أن تُعامل كجهة تملك مقومات النهوض إذا ما مُنحت شروطه، وكمدينة قادرة على الإقلاع لو أُعفيت من ثقل صراعاتها الداخلية. والأكيد أن تحقيق العدالة المجالية ليس مهمة تقنية، بل مشروع أخلاقي ووطني، ومسؤولية مشتركة بين المركز والجهات، بين الدولة والمواطن، وبين من يملك القرار ومن ينتظره أن يُنصفه.

الخطاب القوي لجلالة الملك ،لا يمكن أن يكون عابرًا، ولا مجرّد تقييم. إنه خريطة طريق جديدة نحو مغربٍ أكثر إنصاتًا، أكثر عدالة، وأكثر قدرة على الاحتضان. ويبقى السؤال الأهم: من يلتقط هذه الإشارة، ومن لديه الجرأة ليتحوّل بها إلى فعل؟ لأن الشعارات وحدها لا تُنقذ المدن، ولا تُقنع المواطن. وحده الفعل المنصف يعيد المعنى لما نسمّيه تنمية.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.