جيل زد يجرّد السياسة من أوهامها ويتركها تتلعثم أمام الميكروفون..

admin
2025-10-08T01:48:08+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin8 أكتوبر 2025آخر تحديث : منذ 5 أشهر
جيل زد يجرّد السياسة من أوهامها ويتركها تتلعثم أمام الميكروفون..
  • مصطفى قشنني

في لحظة تلفزيونية لا تخلو من عبثية، وقف نزار بركة، وزير التجهيز والماء، أمام كاميرا القناة الثانية، لا ليشرح، ولا ليبرر، بل ليخلع عنه عباءة الحكومة ويرتدي سترة الحزب. قالها ببرود: “أنا هنا كأمين عام لحزب الاستقلال”، وكأن حقيبة الوزارة مجرد إكسسوار يُترك عند باب الاستوديو. المشهد بدا كأننا أمام وزير بنصف مسؤولية، أو سياسي بنصف ضمير، يختار من صفاته ما يناسب حرارة الأسئلة، ويترك الباقي في غرفة الانتظار.

هذا النوع من التمثيل السياسي لا يحتاج إلى خشبة مسرح، بل إلى جمهور يصفّق للفراغ. الوزير الذي يتقاضى أجراً وامتيازات سمينة باسم الحكومة، قرر أن يتحدث باسم الحزب، وكأننا في ندوة داخلية لحزب علال الفاسي، لا في برنامج حواري يناقش أزمة ثقة بين الشباب والحكومة. وكأن السياسة أصبحت لعبة تنكرية، يختار فيها السياسي قناعه حسب المناسبة، ويخلعه حين تشتد الرياح.

لكن نزار لم يكن وحده في هذا العرض البائس. نجوى كوكوس، البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، قررت هي الأخرى أن تتنصل من الحكومة، رغم أن حزبها جزء من الأغلبية. قالتها بوجه جامد وب”تخراج العينين”: “أنا لا أمثل الحكومة”، وكأن الأغلبية البرلمانية مجرد نادٍ اجتماعي لا علاقة له بالقرارات التي تُتخذ في المجلس الحكومي. وكأن التضامن الحكومي مجرد شعار يُرفع في البيانات، لا التزام يُحترم أمام المواطنين.

هذا التهرب الجماعي من المسؤولية كشف شيئاً أعمق من مجرد تصريحات مرتجلة. كشف أن السياسي المغربي، حين يُحاصر بأسئلة حقيقية، يختار الهروب إلى الصفات الرمادية، إلى المساحات الآمنة، إلى تلك المنطقة التي لا تلزمه بشيء سوى الكلام. وكأن السياسة لم تعد فنّ الممكن، بل فنّ التملص، وفنّ التبرؤ، وفنّ التظاهر بالوجود دون أثر.

جيل زد، الذي حضر في الحلقة، لم يكن يبحث عن شعارات، بل عن إجابات. لم يكن يطلب وعوداً، بل يطالب بمواقف. لكن ما وجده أمامه هو جدار من المراوغة، من الإنكار، من التهرب. وجد وزراء وبرلمانيين يتحدثون وكأنهم ضيوف على الحكومة، لا صناع قرار. وكأنهم يشاركون في الحكم من باب المجاملة، لا من باب الالتزام.

أحد الكاتب وصف الحكومة بـ”المفترسين”، وهي عبارة لا تحتاج إلى تفسير. لأن المفترس لا يعتذر، لا يشرح، لا يتحمل المسؤولية. والمشهد السياسي المغربي بات أقرب إلى حديقة مفترسين، كل واحد منهم يبحث عن مخرج طوارئ حين تشتد الأسئلة.

حين يقول 95% من المغاربة إنهم لا يثقون في الأحزاب، فذلك ليس مجرد رقم، بل شهادة وفاة سياسية. شهادة تقول إن اللعبة انتهت، وإن الجمهور غادر القاعة، وإن المسرح لم يعد يقنع أحداً. لأن السياسة التي تُدار بالتصريحات المرتجفة، وبالصفات المتبدلة، وبالوجوه المتعددة، لم تعد تملك شرعية الاستمرار.

جيل زد لا يريد وزراء يتحدثون بصفاتهم الحزبية، بل مسؤولين يواجهون الواقع. لا يريد برلمانيين يختبئون خلف الأغلبية كما تختبئ النعامة في الرمال، بل ممثلين يملكون الجرأة على قول الحقيقة. هذا الجيل لا يطلب المعجزات، بل يطلب الحد الأدنى من الشجاعة، من الصدق، من الاحترام.

لكن يبدو أن السياسي المغربي لا يزال يعيش في زمن آخر، زمن الوعود المعقمة، والوجوه الملساء، والقبعات القابلة للتبديل. زمن يعتقد فيه أن تصريحاً تلفزيونياً يمكن أن يمحو سنوات من الفشل، وأن التبرؤ من الحكومة يمكن أن يعيد له بكارته السياسية.

يقول المثل: “الانتصار له ألف أب، والهزيمة يتيمة”. لكن في المغرب، حتى الهزيمة لها آباء… يتنكرون لها أمام الكاميرا، ويغادرون المسرح قبل أن يُسدل الستار.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.