- ابن علي
في زمنٍ صار فيه التزوير مهارةً اجتماعية، والاحتيال فناً قابلاً للتكريم، خرج علينا جيلٌ جديد من الانتهازيين، لا يختبئون خلف الأقنعة، بل يصنعون منها وجوهاً جديدة. هؤلاء لا يسرقون في الظلام، بل تحت الأضواء، لا يقتحمون الأبواب، بل يُدعون إليها، ويُمنحون مفاتيحها باسم “النجاح” و”النية الطيبة”. إنهم لا يكتفون بالوصول، بل يحتكرون الوصول، ويُعيدون تعريفه وفق مقاييسهم الخاصة: من يملك المال، يملك الحق؛ ومن يُجيد التلاعب، يُمنح الشرعية.
الانتهازي الجديد لا يأتي من الهامش، بل من قلب المشهد. يتسلل إلى الرياضة، فيُصبح راعياً لا يعرف شيئاً عن اللعب، لكنه يُجيد اللعب على الحبال. يدخل الفن، لا ليبدع، بل ليُعيد تدوير صورته في المعارض والمهرجانات. يقتحم العمل الخيري، لا ليُحسن، بل ليُحسن صورته، ويُبيّض سجله، ويُسوّق نفسه كمنقذٍ اجتماعي. هو لا يملك مشروعاً، بل يملك خطةً للظهور، جدولاً زمنياً للتموضع، وشبكة علاقات تُغنيه عن أي كفاءة.
هؤلاء لا يُربكون المجتمع فقط، بل يُعيدون تشكيله على صورتهم: صورة الثراء بلا جهد، والنجاح بلا قيمة، والظهور بلا مضمون. هم لا يسرقون المال فقط، بل يسرقون المعنى، يسطون على الرموز، يختطفون القضايا، ويحوّلون كل شيء إلى استعراض. كلما انكشفت فضيحة، أطلقوا حملةً جديدة. كلما انفضح تزوير، نظّموا مهرجاناً. كلما سُئلوا عن مصدر المال، تبرّعوا بجزءٍ منه في العلن، ليُقال عنهم “أهل الخير”.
الانتهازي لا يخاف القانون، بل يُفاوضه. لا يخشى المحاسبة، بل يُراوغها. لا يهرب من الضوء، بل يركض نحوه. هو ابن زمنٍ صار فيه الضمير سلعة، والصدق عبئاً، والشفافية خطراً. هو لا يسرق فقط، بل يُعلّم الآخرين كيف يُسرقون، كيف يُبرّرون، كيف يُراوغون، وكيف يُعيدون إنتاج أنفسهم كأبطالٍ شعبيين، رغم أن كل خطوةٍ في حياتهم مبنية على باطل.
خلاصة القول ، لا يمكننا إلا أن نضحك. ضحكةً سوداء، مريرة، على زمنٍ صار فيه الانتهازي هو النموذج، والوصولي هو القدوة، والمحتال هو النجم. نضحك لأن البكاء لم يعد مجدياً، ولأن الحقيقة تُدفن تحت أكوام الصور، وتُنسى تحت ضجيج التصفيق. نضحك، لا لأن الأمر مضحك، بل لأن السخرية هي آخر ما تبقّى لنا من مقاومة.








