- مصطفى قشنني
الصورة هنا ليست توثيقًا، بل قذف مدفعي. ليست خبرًا، بل طلقة نارية في معبد الكرامة الإنسانية. إنها المشهد المُعد بعناية فائقة في مختبرات القوة العظمى: رئيس يُسحب كفأر مسموم من جحره، أو يُقاد مكبلًا كالثور في حلبة مصارعة، أو يُظهر بوجه أشعث في قفص الاتهام. من نورييغا في بنما إلى صدام حسين في العراق، وصولاً إلى مادورو، يمتد مشهد واحد مُهيمن: الجرافة الأمريكية الثقيلة وهي تقلب تربة الدول، وتقلع تماثيل الحكام، ليس لزرع الديمقراطية، بل لخلق مشهدية العار كدرسٍ لا يُنسى. فلماذا هذا التوظيف البشع للصورة؟ وما الرسائل المسمومة التي تُحقن في شرايين العالم؟
الرسالة الأولى هي تفكيك الهالة. فالحاكم، في المخيال الشعبي والسلطوي، هو الأب، القائد، رمز السيادة. حين تُسحق هذه الهالة وتُعرّى على الملأ، لا يُهان الفرد وحده، بل تُهان الدولة كلها، وشعبها، وإرادتها. إنه استعراض سادي يثبت أنه قادر ليس على قتل الجسد فحسب، بل على تمزيق الرمز. صدام وهو يفحص أسنانه كحيوان في قفص، أو نورييغا و مادورو وهما يُساقان بملابس النوم، هي مشاهد تخاطب اللاوعي الجمعي: “انظروا، أسيادكم لم يكونوا سوى دُمى خائرة. نحن الأسياد الحقيقيون”. إنها تكنولوجيا للتحقير، تُحوّل التاريخ إلى فُكاهة سوداء، والسيادة إلى عبث وتفاهة.
والرسالة الثانية هي صناعة الأسطورة الخالدة: “يد واشنطن الطولى”. فالعقاب يجب أن يكون مرئيًا ليصبح رادعًا. لا يكفي الإطاحة سرًا، بل يجب تسجيل اللحظة وتكرارها حتى التشتت. إنه تأسيس لسردية أحادية الجانب: نحن القضاة، والجلادون، والمصورون. ونحن نحدد من هو “الطاغية” ومن هو “الحليف اللطيف”، بمعايير لا علاقة لها بالجرائم، بل بدرجة الخضوع و الانصياع. فالدكتاتور المطيع يُحتمى به، والمعاند يُسلخ حيًا على شاشات التلفزة وكاميرات العالم. الصورة هنا هي السلاح النهائي في حرب التصورات، تُبرر الغزو مسبقًا، وتُجمل النهب لاحقًا، وتُقدم للجمهور الداخلي قصة بطولية مبسطة أساسها أنها تريد الخير والإصلاح وتعزيز السلام العالمي ومحاصرة قوى أو ما تطلق عليه محور الشر أو دول الممانعة.
ثم تأتي الرسالة الثالثة، الأكثر نذالة و دناءة: اختراق الحدود الوطنية وإهانة الذات الجمعية. عندما تُنتهك حرمة قصر رئاسي، أو يُدنّس مكتب رئيس، فإن الرسالة ليست موجهة للرئيس بل للشعب الذي اختاره أو خضع له. “أرضك ليست حرمة، سيادتك خرقة، كرامتك وهْم”. إنه استعمار جديد للكرامة، يتم عبر الأقمار الصناعية والشبكات الاجتماعية. إنه إعلان أن “الحصانة” و”السيادة” مجرد كلمات على ورق، وأن القوة المادية الفجة هي اللغة الوحيدة المعترف بها.
وأين القانون الدولي والإنساني في هذا المسرح؟ لقد جُرّد من ثيابه وأُجبر على أن يكون كومبارسًا في المشهد. إنه حاضر كديكور، كشعار ترفعه الآلة الإعلامية عندما يخدم التبرير، ويُتجاهل كشماعة عتيقة عندما يعترض طريق القوة. لقد تحول القانون إلى سكين مرن في يد الجبار. ففي حالة بنما، تم تخريم مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. وفي حالة العراق، تم تحطيم ميثاق الأمم المتحدة إلى شظايا تحت عجلات الدبابات. القانون هنا لا يسقط من تلقاء نفسه، بل يُسقط عمدًا كجزء من العرض. إن إظهار الرئيس المكبّل وهو يُحاكم بطريقة هزلية، هو أيضًا إظهار للقانون وهو يُختطف ويُلوث. إنها إهانة مزدوجة: للإنسان وللفكرة التي من المفترض أن تحميه.
أما “الشرعية الدولية”، فهي الشبح الذي يُستحضر في الخطابات ويُباد في الميدان. إنها تتحول إلى غطاء مرن، يُتمدد ليغطي أجندة واشنطن، وينكمش ليخنق الخصوم. الشرعية هي ما تمنحه قنابل الـ B-2، وليس ما يصدر عن أروقة مجلس الأمن الميتة. الصورة البشعة للرئيس المذل هي النتيجة النهائية لموت الشرعية. هي إثبات بالصورة أن الحق يُصنع حيث تُصنع القوة، وأن أروقة العدالة الدولية يمكن أن تُحاصر وتُقصف إذا اعترضت الطريق.
إن هذا التوظيف للصورة هو الوجه الحديث للحرب. لم تعد الحرب لإبادة الجيوش فقط، بل لإبادة الكرامة، وطمس الذاكرة، وفرض السردية. إنه قتل رمزي يسبق القتل المادي ويفسح الطريق له. من بنما إلى بغداد، ومن بغداد إلى كاراكاس، يتكرر نفس المشهد بتفاصيل مختلفة: البطل يصبح شريرًا، والشرير يصبح أضحوكة، والأضحوكة تُقدم كدليل على عدالة المنتصر. إنها دورة القوة المطلقة: تصنع العدو، ثم تسحقه، ثم تلتقط صورة تذكارية مع جثته الرمزية. وفي هذا المسرح الواسع، يبقى السؤال: إلى متى سيظل العالم جمهورًا صامتًا، يشاهد استعراض الإذلال، وينسى أن اليوم قد يأتي حيث تصبح كل كرامة، وكل سيادة، وكل إرادة شعب، مجرد خلفية للصورة القادمة؟






