- مصطفى قشنني
في الوقت الذي تتسابق فيه الأمم نحو غزو الفضاء، وتطوير الذكاء الاصطناعي، وتطويع الجينات، وتفكيك أسرار الكون، يخرج علينا خبر عاجل من قلب العالم العربي: “تم تسجيل أكبر طاجين في العالم في موسوعة غينيس للأرقام القياسية!”، ويليه مباشرةً خبر آخر لا يقلّ أهمية: “أكبر طبق كشري في التاريخ يُطهى في احتفال جماهيري مهيب!”، ثمّ لا تلبث أن تتوالى الإنجازات: “أكبر قدر ملوخية”، “أكبر طبق كسكس”، “أكبر شجرة أرز بلاستيكية”، وكأننا نعيش في مهرجان دولي للطناجر العملاقة، حيث تُقاس الحضارة بحجم القدر، ويُقاس التقدّم بكمية الثوم والبصل.
إنه عصر البطون، لا عجب أن تدخل فيه الأمة العربية موسوعة غينيس من باب المعدة، لا من باب العقل. فبينما تُسجّل اليابان رقماً قياسياً في عدد براءات الاختراع، وتُسجّل ألمانيا رقماً قياسياً في كفاءة الطاقة، وتُسجّل كوريا الجنوبية رقماً قياسياً في سرعة الإنترنت، تُسجّل الأمة العربية رقماً قياسياً في أكبر صحن فتة، وأطول سلسلة بشرية لتناول المنسف، وأعرض مائدة إفطار جماعي في التاريخ. إنها إنجازات تُشعرنا بالفخر المُخزي..
ولأنّنا نحبّ الأرقام، فقد قرّرنا أن ننافس العالم بطريقتنا الخاصّة. لا نريد أن نُرهق أنفسنا في تطوير الأقمار الصناعية، ولا في فكّ شيفرات الحمض النووي، ولا في بناء الروبوتات التي تُحاكي الإنسان. نحن نُفضّل أن نُبدع في صناعة الطناجر العملاقة، ونُطوّر تقنيات الحشو الجماعي، ونُجري تجارب دقيقة على مدى قدرة المواطن العربي على ابتلاع كيلو ونصف من الملوخية في جلسة واحدة دون أن يُصاب بمغَص. إنها علوم البطون، لا تقلّ شأناً عن علوم الذرة، بل تفوقها في التأثير المباشر على المزاج العام.
ولأنّنا نعيش في عصر الصورة، فقد بات من الضروري أن نُوثّق هذه الإنجازات العظيمة بالصور والفيديوهات، وأن نُشاركها على منصات التواصل الاجتماعي، مع هاشتاغات من نوع”فخر_العروبة” و”أكبر_طاجين_في_التاريخ”… وهكذا، تتحوّل الطناجر إلى رموز وطنية، وتُصبح الملوخية قضية قومية، ويُصبح الكشري مشروعاً حضارياً، وتُصبح شجرة الأرز البلاستيكية رمزاً للابتكار البيئي… حتى لو كانت مصنوعة من بقايا عبوات الشيبس.
ولا يكتمل المشهد إلا بحضور رسمي مهيب، حيث يُقطع الشريط الأحمر أمام قدر الكسكس، وتُلقى قصائد عصماء وكلمات رنانة عن أهمية هذا الإنجاز العظيم في التلاحم الشعبي و تعزيز الهوية الوطنية، وتُوزّع شهادات تقدير على الطباخين، وتُرفع الأعلام، وتُعزف الموسيقى الوطنية، وكأننا افتتحنا مركزاً بحثياً في علوم الفضاء، لا طنجرة بحجم ملعب كرة قدم. ثمّ يُختتم الحفل بتكريم “الملعقة الذهبية”، التي شاركت في توزيع الملوخية، وتُمنح وسام “الشهية الوطنية”، ويُعلن عن نية تنظيم مهرجان سنوي للطناجر العملاقة، تحت شعار “من أجل مستقبل أكثر شبعا”.
وفي خضمّ هذه الاستحقاقات المجيدة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه الإنجازات العظيمة لا تأتي من فراغ، بل هي ثمرة تخطيط استراتيجي عميق، ورؤية مستقبلية ثاقبة ومتبصّرة، وإيمان راسخ بأنّ المعدة هي مفتاح النهضة. فبدلاً من الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، نُفضّل الاستثمار في الطناجر، وبدلاً من دعم المبتكرين، نُدعم الطباخين، وبدلاً من بناء المختبرات، نبني المطابخ الجماعية – على وزن المقابر الجماعية-، وبدلاً من إرسال بعثات علمية إلى الخارج، نُرسل بعثات طهوية إلى موسوعة غينيس.
ولأنّنا نُحبّ المقارنات، فلننظر إلى حال الأمم الأخرى. الصين تُطوّر أسرع قطار في العالم، ونحن نُطوّر أسرع طريقة لتقليب الملوخية. أمريكا تُطوّر أقوى حاسوب كمي، ونحن نُطوّر أقوى طنجرة ضغط. الهند تُرسل مركبة إلى القمر، ونحن نُرسل قدر كشري إلى موسوعة غينيس. إنها مفارقات تُضحك الثكلى، وتُبكي العاقل، وتُشعرنا بأنّنا نعيش في مسرحية عبثية، حيث يُستبدل العقل بالمعدة، ويُستبدل الطموح بالشهية، ويُستبدل المستقبل بالفتة.
وفي ظلّ هذا الواقع السريالي، لا يسعنا إلا أن نستحضر بيت المتنبي الشهير: “يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم”، ونُضيف إليه بيتاً جديداً: “يا أمةً شبعت من طناجرها الأمم”. فبينما يُضحك جهلنا الأمم، تُدهش شهيتنا العالم، وتُثير طناجرنا الفضول، وتُصبح الملوخية موضوعاً للبحث الأكاديمي، وتُصبح شجرة الأرز البلاستيكية رمزاً للابتكار العربي، وتُصبح موسوعة غينيس مرآةً لحضارتنا… التي تُقاس بالملاعق.
لكنّ المأساة الحقيقية ليست في الطناجر، بل في ما وراءها. في غياب المشروع الحضاري، في غياب الرؤية، في غياب العقل. في أمة تُفضّل أن تُسجّل رقماً قياسياً في الطهو، على أن تُسجّل رقماً في التعليم. في أمة تُفاخر بأكبر قدر ملوخية، وتغضّ الطرف عن أصغر مدرسة متهالكة. في أمة تُنفق على مهرجانات الطعام، وتُهمل مراكز البحث. في أمة تُكرّم الطباخ، وتُهمّش العالم. إنها مأساة تُضحك، لكنه ضحك كالبكاء.







