- مصطفى قشنني
حين انتهى زمن “الكان” في المغرب سنة 2025، لم يغب الدخان المتصاعد من شوارع بعض المدن تحت وهج كاميرات العالم فحسب، بل غاب معه صبرٌ على الاستنتاج، واختفت الرغبة في الفهم من تحت أنقاض حدثٍ رياضي تحوّل إلى حقل ألغام لهويتنا. سقطت الكرة، ونهضت على إثرها وحوش التبسيط والتأويل المسعور، تحمل في فمها مقاطع مقتطعة من فكرٍ عميق، كمن يقدم شظايا زجاج ملطخة بالدم على أنها مرآة تكشف وجه الأمة. وكانت الجملة الأكثر تداولاً، الأكثر تشويهاً، هي تلك التي أطلقها المفكّر عبد الله العروي قبل عقود: “المغرب جزيرة”. هكذا، بلا سياق، بلا تاريخ، بلا ذلك المشروع النقدي الشائك الذي بناه الرجل حجراً حجراً – منذ ما يناهز الستة عقود -، أصبحت “الجزيرة” شعاراً للانكفاء، وترخيماً للعدوانية، وتبريراً سميكاً للعنصرية التي لا تحتاج عادة إلى تبرير.
لكن، أي جزيرة هذه التي يتحدث عنها صاحب “الايديولوجيا العربية المعاصرة”؟ أهي تلك القلعة الحجرية المنيعة التي يحلم بها المنغلقون، حيث تُرفع الجسور وتُسدّ النوافذ خوفاً من رياح العالم؟ أم هي قراءةٌ لواقع جغرافي وسياسي قاسٍ، كخريطة جيولوجية تظهر الصدوع والحدود الطبيعية قبل أن تكون خريطة أيديولوجية؟ العروي، المؤرخ الذي ينبش في طبقات الزمن ليفهم نبض الحاضر، لم يكن يرسم يوتوبيا انعزالية، بل كان يشخّص حالة. كان يتأمل خرائط الإمبراطوريات المندثرة والحدود الموروثة عن زمن القلَق الاستعماري: مغرب محاط بحدود برية ملتهبة مع جاره الشرقي، وبحارٌ تتحكم فيها مضائق ومطالب متشابكة. في تلك اللحظة التاريخية، بدا المغرب كسفينة شاسعة، راسية في ملتقى المحيطين، ولكنها تشعر بأن المياه الإقليمية حولها مليئة بالتيارات المتضادة والشُّرُف الصخرية. كانت “الجزيرة” تشبيهاً لوضعية، لا برنامجا سياسيا.
المأساة تكمن في سرقة هذا التشخيص وتحويله إلى سلاح. فبعد صخب المدرجات وأزيز صافرات الإنذار الاجتماعي، التقط البعض هذا الوصف كأنه عصا سحرية لتأديب “الآخر”، أيّاً كان هذا الآخر. “نحن جزيرة، وعلينا أن نحتمي بسواحلنا من غدر الأمواج”، هكذا يُقال بثقة الجاهل بالفكر الذي يستشهد به. لكنهم نسوا، أو تناسوا، أن عبد الله العروي نفسه هو من كتب ضد نفسه. فهو المفكر الذي يرى أفكاره كمواد حية قابلة للمراجعة، لا كألواح مقدسة منزلة. في “دفاتر كوفيد”، ندم الرجل صراحة على ترديد عبارة “المغرب جزيرة”، ليس لأن التحليل الجيوسياسي كان خاطئاً، بل لأن الخوف من سوء الاستعمال أصبح أكبر من فائدة التشخيص. لقد رأى بعين المؤرخ كيف يمكن لوصف تحليلي بارد أن يُحرّف في لهيب اللحظة العاطفية الجماعية، فيتحول من أداة فهم إلى بندقية اتهام.
والأكثر سخرية أن الذين يستدعون “الجزيرة” لينظّروا للانغلاق، هم أنفسهم يجهلون بحرَ العروي الفكري الواسع، الذي يتدفق باتجاه إفريقيا. لقد كان العروي، وفي وقت مبكر، من أبرز من حفر في الجذور الأفرو-مغربية العميقة، مؤكداً أن الإسلام لم يكن غازياً في إفريقيا الغربية بل كان جسراً للتواصل والتعارف، وأن الروابط البشرية والتجارية والروحية تشكل نسيجاً تاريخياً لا ينفصم. أليست هذه هي القراءة المضادة للانغلاق؟ أليس التأكيد على أن هوية المغرب تتشكل أيضاً من خلال هذا الامتداد جنوباً، هو نفي عملي لفكرة الجزيرة المعزولة؟ إنه يقول لنا: نعم، قد نكون جغرافياً في وضع يشبه الجزيرة، ولكن ثقافتنا وذاكرتنا وتاريخنا ومستقبلنا هو تاريخ تواصل وانصهار وتفاعل مع هذا الفضاء الأفريقي الحيوي.
ما حدث بعد الكان، إذاً، لم يكن مجرد جدل حول عنف فئة من الشباب أو تقييم تنظيم بطولة. لقد كان اختباراً لوعينا الجمعي في قراءة تراثنا الفكري. كان تعرياً لأزمة منهجية عميقة: أزمة القفز على النصوص، واختزال المشاريع الفكرية في “ساوند بايت”، وتحويل العمل النقدي الطويل والشاق إلى شعارات تُلوّح في المعارك الثقافية الزائفة. العروي لم يكتب ليمدّنا بشعارات جاهزة لنخوض بها معارك اليوم التالي. كتب ليعلمنا كيف نفكر، كيف نربط بين المصلحة والذاكرة، بين الجغرافيا والتاريخ، بين القيد والإمكانية. مشروعه هو مغامرة في فهم الذات، ذات مركبة ومتشابكة ومتعددة الطبقات، لا بطاقة هوية بسيطة يمكن رفعها في وجه الخصم.
إن القراءة الحقيقية لـ “جزيرة العروي” تكشف لنا مفارقة عظيمة: إن الاعتراف بالخصوصية والوضعية المتميزة (أو المقيدة) ليس نهاية المطاف، بل هو بداية التفكير الاستراتيجي. العروي يخبرنا: هذه هي أرض اللعبة، بهذه الحدود، وهذا التاريخ، وهذه التحديات. والآن، كيف نلعب؟ وإجابته، عبر مجمل أعماله، كانت دوماً تميل نحو الانفتاح الذكي، والتفاعل الحذر، والتحديث المستمر، والانخراط في العمق الإفريقي. إن “الجزيرة” عنده هي نقطة انطلاق، لا مستقر. هي إدراك للقيد لتحقيق الانعتاق منه، وليس للإقامة الأبدية داخله.
لذلك، فإن من يستعمل “الجزيرة” لتبرير الخوف من العالم، فهو كمن يستعمل خريطة الطقس ليثبت أن الشمس يجب ألا تشرق. لقد أثبت المغرب، بتنظيمه للكان، قدرته على استقبال العالم، وعلى إدارة تعقيدات الحداثة اللوجستية والثقافية. كان ذلك الحدث دليلاً عملياً على أن “الجزيرة” يمكن أن تكون ميناءً عالمياً، لا سجناً منعزلاً. التحدي الحقيقي الذي يطرحه علينا صخب الكان وجدل العروي معاً، هو كيف نحافظ على هذه الروح الانفتاحية في وجه ردود الفعل العصبية، وكيف نعمق قراءتنا لأنفسنا بعيداً عن الاندفاعات العاطفية.
المغرب، ليس جزيرة بالمعنى الانعزالي. إنه رأس جسر. إنه هضبة مطلة على بحرين. إنه ملتقى طرق. ووعيه بحدوده، كما أراد له العروي، يجب أن يكون وعياً لامتداداته أيضاً. الفكر الحقيقي لا يبني جدراناً، بل يفتح نوافذ يطل منها على أفق أوسع. والعنف الذي تلى الكان، والخطاب الانغلاقي الذي حاول تبريره بسوء فهم العروي، ليس سوى عاصفة رملية عابرة. تحتها، يبقى ذلك البحر الهادئ العميق لفكر نقدي يقول: اعرف موقعك، واعرف تاريخك، ثم ابحر.






