الولايات المتحدة بين سقوط الإمبراطوريات وغبار النبوءات

admin
2026-03-16T03:15:12+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin16 مارس 2026آخر تحديث : منذ 3 أيام
الولايات المتحدة بين سقوط الإمبراطوريات وغبار النبوءات
  • مصطفى قشنني

ليست المجتمعات إلا كائنات حية تعبر الزمن كما يعبر الجسد مراحل العمر، تبدأ طفولة تتأسس فيها الملامح، ثم شباباً يضج بالحياة والطموح، فكهولة تستكين لوهن العظم واشتعال الرأس شيباً، وأخيراً شيخوخة ترثي فيها نفسها قبل أن يرثيها الآخرون. هكذا علمنا التاريخ، وهكذا دوّن ابن خلدون في مقدمته الخالدة، وهكذا نقرأ اليوم المشهد الأمريكي وكأننا نطوي صفحات كتاب بدأ يتساقط ورقُه. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في خضم المتغيرات الجيوسياسية العنيفة، ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة تراجع، بل هل نحن على موعد مع نهايتها الكبرى؟ ليس تراجعاً جزئياً يمكن إصلاحه بانتخابات أو بخطط إنقاذ اقتصادية، بل انهيار شامل يعيد تشكيل خريطة العالم كما عرفناه بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد اعتادت البشرية على قراءة التاريخ من خلال عدسة القوة المفرطة، تلك القوة التي تمنح صاحبها هالة من الخلود، فيتخيل هو والعالم أنه استثناء من سنن الزمن. كانت روما كذلك، وكانت بريطانيا التي لا تغيب عنها الشمس كذلك، واليوم تقف أمريكا على ذات المفترق، تطل على العالم بعينين ذابلتين، وتستجدي حلفاءها في الناتو، كما يفعل العجوز حين يطلب الاتكاء على أكتاف الأبناء. المشهد الذي جرى في الأيام الأخيرة، مع بداية التصعيد مع إيران، لم يكن مجرد مناورة عسكرية أو حادث عابر، بل كان لوحة تشخيصية “سكانير” دقيقة لحالة الهرم التي بلغتها الآلة العسكرية الأمريكية. فعندما تعلن دولة تمتلك أكبر ميزانية دفاعية في العالم أنها لا تملك مخزوناً هجومياً يكفي لخوض حرب مع إيران، وعندما تضطر إلى تحريك ماكينات إنتاج الأسلحة من جديد وكأنها تستذكر أيام الحرب العالمية الثانية، وعندما يطلب رئيسها من دول الناتو مساعدته في فك حصار مضيق هرمز، فإن هذا لا يُقرأ إلا بوصفه اعترافاً صريحاً بالعجز. أين ذهبت تلك القوة التي كانت تضرب بكل ثقلها أينما شاءت في تخوم وأركان الأرض الأربع؟ أين تلك العنجهية التي كانت تتحكم بمصير الأمم بقبضة يد من حديد ونار؟ لقد تبددت في حروب استنزاف بالوكالة، وفي إنفاق بلا حدود على آلة عسكرية أصبحت تدار بمنطق الشركات لا بمنطق الأبطال.

إن ما تمر به أمريكا اليوم هو نتيجة طبيعية لحروبها بالنيابة، وتحديداً دفاعها المستميت عن “الطفل المدلل” في المنطقة، إسرائيل. لقد استنزفت هذه العلاقة غير المتكافئة الخزينة الأمريكية ليس فقط مالياً، بل وأخلاقياً وسياسياً. لقد جعلت من أمريكا عدواً للعالم دون أن تجني لها صداقات حقيقية. كل صاروخ أطلق دفاعاً عن إسرائيل، وكل فيتو استخدم في مجلس الأمن لحمايتها، كان بمثابة مسمار إضافي في نعش الهيمنة الأمريكية. العالم لم يعد يقبل بهذا الوصاية، والقوى الصاعدة، وعلى رأسها الصين، كانت تراقب وتخطط وتتحرك بصبر استراتيجي طويل النفس، بينما كانت أمريكا تغرق في وحول الشرق الأوسط.

هنا يأتي دور النبوءات المعكوسة. لقد أعلن المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في نشوة انتصار تسعينيات القرن الماضي، أن التاريخ قد انتهى، وأن الليبرالية الأمريكية هي الكلمة الأخيرة في تطور البشرية. كم بدت تلك النشوة سخيفة اليوم! فبدلاً من أن تنتهي الأيديولوجيات الأخرى، نجد أن الأيديولوجية الأمريكية نفسها قد بدأت تتعفّن وتتآكل من الداخل. التاريخ لم ينته، بل كان يعد العدة لقلب المعادلة رأساً على عقب. نهاية التاريخ لم تكن نهاية الصراعات لمصلحة أمريكا، بل كانت بداية الطريق نحو نهاية أمريكا لمصلحة الصين. الصين التي لم تخض حروباً استنزافية، ولم ترهن مستقبلها لحماية أحد، بل بنت جداراً من الاقتصاد والتكنولوجيا والعلاقات الدولية المتوازنة، تقف اليوم على أعتاب اللحظة التي طالما انتظرتها. بينما أمريكا تنفق تريليونات الدولارات على حروب لا نهاية لها، تستثمر الصين في البنية التحتية للقرن القادم. بينما أمريكا تمزقها الانقسامات الداخلية والصدامات العرقية والصراع حول الهوية، تبني الصين نموذجاً بديلاً للحكم يثبت يوماً بعد يوم أنه أكثر قدرة على الصمود والتكيف.

لكن المشهد الأخطر من ذلك كله، هو الجانب الفلسفي والنفسي لهذا الانهيار. إن الأمم لا تسقط عندما تخسر الحروب فقط، بل تسقط عندما تفقد الإيمان بأسطورتها. أمريكا اليوم تفقد أسطورتها. كانت أمريكا تحكم العالم ليس فقط بقنابلها، بل بحلمها، بفكرة “الحلم الأمريكي”، بأن كل إنسان يمكنه أن يصنع نفسه في هذه الأرض. هذا الحلم تحول إلى كابوس. الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع، والعدالة الاجتماعية أصبحت سلعة لا يشتريها إلا الأثرياء، والسياسة تحولت إلى مسرح للصراعات الشخصية والنرجسية. عندما يفقد المواطن الأمريكي العادي إيمانه بقدرة بلاده على حمايته وتوفير حياة كريمة له، وعندما يرى أن جيش بلاده العظيم يحتاج مساعدة الناتو لمواجهة إيران، فإن لحظة الانهيار النفسي تسبق الانهيار المادي.

نحن اليوم أمام مفارقة تاريخية عظيمة. الدولة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية كأقوى دولة عرفها التاريخ، والتي أعادت بناء أوروبا بخطة مارشال، والتي انتصرت في الحرب الباردة، تقف الآن وحيدة في مواجهة واقع جديد. إنها تشبه شيخاً كان فارساً في شبابه، يقف الآن عاجزاً عن حمل سيفه، يحدق في المرآة ولا يرى إلا انعكاساً لذاكرة لم تعد موجودة. ترامب حين يحرك ماكينات الإنتاج العسكرية، إنما يحاول بعث الحياة في جسد ميت، لكن الأموات لا يقومون من قبورهم بضجة إعلامية. الصين ليست بحاجة لغزو أحد، الزمن يعمل لصالحها. التاريخ لم ينته، بل بدأ للتو فصلاً جديداً، عنوانه الكبير ربما يكون: “الأفول الأمريكي وشروق شمس جديدة في الشرق”. وكل ما نشهده اليوم من صراع وتخبط ليس إلا آلام المخاض لنظام عالمي جديد، يخرج من رحم نظام قديم بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولله الملك من قبل ومن بعد.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.