- مصطفى نشاط و رضوان ناصح
صدرت ترجمة هذا الكتاب من الإيطالية إلى العربية لمحمد مخطاري سنة 2024، بعنوان: (في المغرب: ذكريات حميمة لسيدة إيطالية 1897-1907)، مع تقديمٍ لمحمد الفران، عن منشورات مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء.
والجدير بالذكر أن للكتاب نفسه ترجمة سابقة أنجزها مصطفى نشاط ورضوان ناصح سنة 2019، بعنوان: (ذكريات شخصية لحياة حميمة بالمغرب)، صدرت عن مطبعة الرباط نت.
ودون مصادرة حقّ أيّ مترجم في نقل كتاب سبق أن تُرجم، يطرح السؤال نفسه مباشرة: ما المُسوّغات التي تدفع إلى إنجاز ترجمةٍ جديدة لكتابٍ سبقت ترجمته؟
من بين هذه المُسوّغات ضعفُ جودة الترجمة الأولى، لما قد يعتريها من نواقص أو قصور في نقل النص الأصلي على نحوٍ وافٍ. وللتمثّل على ذلك نشير إلى كتاب ماضي أفريقيا الشمالية في القرون المظلمة للمؤرّخ Félix Gautier، الذي أُعيدت ترجمته مؤخرًا من الفرنسية إلى العربية. تُرجم هذا الكتاب لأول مرة سنة 1970، ثم أعاد ترجمته محمد الغرايب سنة 2022. وممّا جاء في مقدّمته: «إن هذه الترجمة – يقصد الترجمة الأولى – وهي الترجمة الوحيدة في العالم العربي، تُعدّ ترجمةً ضعيفة يشوبها وهنٌ شديد؛ إذ جاءت مثقلة بالأخطاء المطبعية والمعرفية والتاريخية والطوبونيمية، فضلًا عن القفز على فقراتٍ بأكملها، وترجمة بعض الجمل بعكس معناها» (ص 12، مطبعة الرباط نت، 2022).
وقد تدعو الحاجة كذلك إلى ترجمة جديدة عندما تكون الترجمة السابقة مكتوبة بلغة لا تتلاءم مع القارئ المنتمي إلى سياقات ثقافية مختلفة، كما يحدث في ترجمة الأعمال الكلاسيكية التي تشهد ترجماتٍ متجددة مع مرور الزمن. ومن الأمثلة على ذلك رواية الكاتب الروسي ليو تولستوي «Война́ и мир» “الحرب والسلم”، التي تتوافر في المكتبة العربية في ما لا يقل عن أربع ترجمات. غير أنّ ما نسجله أن الفارق الزمني بين الترجمتين الأولى والثانية لكتاب شيزوتي، لا يتجاوز خمس سنوات.
كما قد تُنجَز ترجمة جديدة لكتابٍ ما إذا قدّم مترجمها رؤيةً تأويلية مختلفة للنص الأصلي، تُثري فهمه وتفتح أمام القارئ آفاقًا جديدة لقراءته.
إن إقدام محمد مخطاري على إنجاز ترجمته الجديدة لكتاب شيزوتي يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كان على علمٍ بوجود ترجمة سابقة أم إنّه كان يجهلها، ويكتسب هذا التساؤل مشروعيته من غياب أي إشارة إلى الترجمة الأولى في إن في مقدمة الكتاب أم في متنه وحواشيه ، فهل ينطوي ذلك على جهل أم تجاهل؟ لعلّ التراكمية من سمات المعرفة العلمية، ولا مُشاحّة في أنّ البحث العلمي بطبيعته تراكمي، يُبنى فيه اللاحق على السابق، دون إلغاء للسابق أو هدمه. وقد تعلّمنا من أساتذتنا وشيوخنا أنّ من أهم أبجديات إنجاز أي عمل علمي، ضرورة الإشارة إلى الدراسات السابقة في الموضوع محل البحث. إن كان مخطاري جاهلاً بالترجمة الأولى لكتاب شيزوتي، فذلك أمر غير لائق ومثير للاستغراب؛ غير لائق لأن الباحث مدعو إلى تتبّع ما يُنشر، لا سيما ما يتعلق بتخصّصه، ومستغرب لأن الكتاب في ترجمته الأولى، كان محطّ قراءات متعددة بكليات الآداب بالمملكة، سواء في الرباط والقنيطرة، حيث أسهم في قراءته زكرياء بودحيم، ولعل عدد الأساتذة المغاربة بهذا التخصص يُعدّون على رؤوس الأصابع، وبالتالي من السهل تتبّع أنشطتهم وإنتاجاتهم، أو في المحمدية والدار البيضاء (عين الشق وبن مسيك). كما جرى تقديم الكتاب ومناقشته في المعهد الإيطالي للثقافة بالرباط بتاريخ 13 فبراير 2020، وكان الإعلان عن النشاط كالتالي:
Conferenza – Presentazione del libro in Marroco, ricordi personali di vita intima di Maddalena Cisotti Ferrara, Tradotto in arabo a cura di Redouan Nassih e di Mostafa Nachchat.
وقد نُشرت بعض القراءات في منابر مُحكّمة، كما هو حال قراءة محمد جادور في مجلة Hespéris-Tamuda، LIV 3، 2019، ص 439-442، وقراءة جلال زين العابدين تحت عنوان: «تمثلات مغرب نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 بعيون رحالة إيطالية» في مجلة دراسات استشراقية، العدد 30، ربيع 1443/2022، وقراءة يحيى بولحية تحت عنوان: «قضايا تاريخية وإشكالات تحديثية في كتاب ذكريات شخصية لحياة حميمة بالمغرب» في مجلة أسطور التاريخية، 2024. كما عُرّف بالكتاب على بعض صفحات الجرائد الوطنية، مثل المقال الذي نشرته جريدة الأخبار بتاريخ 8 فبراير 2022 بقلم يونس جنوحي، بعنوان: «رجال المخزن المنقرضون بعيون شابة إيطالية». ثم إن مؤلفًا خاصًا جمع بين دفتيه قراءات للكتاب، أصدره مركز التربية والتكوين بوجدة سنة 2022، نسّقه كلّ من الطاهر قدوري ويحيى بولحية وعبد العزيز غوردو، وعنوانه: من المعرفة العالمة إلى المعرفة المتعلمة: محاولة في التجسير من خلال كتاب ذكريات شخصية لحياة حميمة بالمغرب.
ودون أيّ محاكمة للنوايا، لأنّ الله وحده أعلم بالسرائر، فإن كان مخطاري على علم بوجود ترجمة سابقة للكتاب وأسقطها من حساباته، فإنّ تلك قاصمة الظهر.
وكيفما كان الأمر، فإنّ الاطلاع على الترجمة الجديدة كشف عن وجود جملة من الهنات التي وجب التنبيه عليها، ليستأنس بها مخطاري في حال رغبته في نشر طبعة أخرى للكتاب. وقد آثرنا تقسيم هذه الملاحظات حسب طبيعتها مع بسط نماذج منها لتفادي الإطالة، ومن أبرزها:
–التصرّف في روح النص؛ فالكتاب الأصلي يحمل عنوانًا دقيقًا ، هو ذكريات شخصية لحياة حميمة بالمغرب، بينما وضع المترجم عنوانًا رئيسًا له هو: في المغرب، وعنوانًا فرعيًا: ذكريات حميمة لسيدة إيطالية 1897–1907. وإن كانت الإضافة تهدف إلى المزيد من التوضيح، فإن الأمانة العلمية وحقوق النشر تقتضي ألّا يُلحق أي تعديل بأصول الكتاب ، دون موافقة أصحاب الحقوق، فلو رفض أحد من أسرة شيزوتي أو دار النشر Fratelli Treves هذا التعديل، فهلّا نكون أمام تعدٍّ على الحقوق؟ كما تصرّف المترجم في أحد عناوين فصول الكتاب، ويتعلق الأمر بفصل “Il Mellah e gli Ebrei nel Marocco ” ، إذ ترجم عنوانه إلى” الملاح واليهود المغاربة”. أما شيزوتي، فعندما وضعت هذا العنوان، فإنها اقتفت حديث الأدب الاستعماري حول وضعية اليهود في المغرب، مركزّة على الدونية والحقارة التي كانوا يعانون منها “بألف طريقة”، كما كتبت في مذكراتها، والمقصود من تقديم هذه الصورة ، إيجاد مسوغ شرعي للدول الاستعمارية الأوروبية للتدخل في المغرب لإنقاذ اليهود من البؤس والدونية التي عانوا منها، ومن منطلق مسؤولية تحضيرهم وتخليصهم من تعاستهم. وكان عنوان شيزوتي للفصل هو “الملاح واليهود في المغرب”، وشتّان ما بينه وبين العنوان الذي وضعه المترجم، إذ إن مفهوم “اليهود المغاربة” يحيل إلى وجود هوية وانتماء حضاري لليهود باعتبارهم جزءًا من المجتمع المغربي، أما مفهوم “اليهود في المغرب” فيحمل دلالة جغرافية بحتة، ويعدّهم مجرد جالية تعيش على تلك الأرض.
–هنات لغوية ذات الصلة بالنحو:
قد تتسلل بعض الهنات اللغوية إلى أي ترجمة في غفلة من صاحبها، بيد أنّه حين تكون هذه الهنات متكررة ومتعددة، وأحيانًا بشكل فادح، فإن الأمر يقتضي التنبيه، ونظرًا لكثرتها، فقد اخترنا الاكتفاء بعرض نماذج منها ،مع توضيح القواعد النحوية الخاصة بها. من ذلك ما تعلّق بالاسم المنقوص، وهو الاسم الذي ينتهي بياء أصلية (لازمة) غير مشدّدة، مكسور ما قبلها، وتقتضي القاعدة النحوية حذف الياء إذا كان الاسم نكرة في حالتي الرفع والجرّ، ويُنوّن بكسرتين للعوض، ومن أمثلة ذلك في الترجمة: ص 8: وأواني ← أوانٍ، ص 11: غير مجدي ← غير مجدٍ، ويظل بيت أبي العلاء المعري معبّرًا في هذا السياق:
غير مجدٍ في ملّتي واعتقادي نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنّم شادِ
وما تعلّق بالاسم الممنوع من الصرف، فهو الاسم المعرب الذي لا يقبل التنوين، وتكون علامة جرّه الفتحة بدل الكسرة، إلا إذا عُرّف بـ”أل” أو أُضيف، ومن أمثلته في الترجمة: ص 25: ألاحظ نماذجاً ← نماذجَ، ص 70: في ثوب أبيضٍ ← أبيضَ، ص 100: إلباس أولادهم ملابساً ← ملابسَ، ص 121: تضع المغربيات أساوراً ← أساورَ، وص 172: احتلوا أحياءً ← أحياءَ. والأدهى والأمرّ أن المترجم لجأ أحيانًا إلى تشكيل بعض الكلمات بشكل غير دقيق، مما أخلّ بالقواعد النحوية. ويا ليته “لم يَشْكُلِ، حتى لا يُشكّل مشكلة.”
كما ظهرت هفوات متعلقة بجزم المضارع، الذي يُجزم إذا سبقته إحدى أدوات الجزم، مثل لَمْ، ولمّا، ولام الأمر، ولام الناهية، وإن، وما، ومهما، وأي، ومتى، وأيان، وإذما، وحيثما، وكيفما، ومن أمثلة ذلك في الترجمة: ص 17: لم يتوانى ← يتوانَ، ص 108 و117: لم يتبقى ← يتبقَّ، ص 178: لم يتخلى ← يتخلَّ، ص 179: من لم يرى ← يرَ، ص 179: لم نولي ← نولِ، ص 190: لم أتوانى ← أتوانَ.
وأيضًا هناك هفوات في الأسماء الخمسة، وهي: أب، أخ، حم، فو، ذو، وتُعرب بدل الحركات إذا وردت مضافة إلى غير ياء المتكلم، وقد ترفع أو تنصب أو تجرّ حسب سياق الجملة، وما يهمنا منها في الترجمة كلمة “ذو”، ومن نماذج ذلك: ص 50: كان شابًا يافعًا ذو قامة → ذا قامة، ص 98: كان ذو قامة ← ذا، ص 121: يكون ذو قيمة ← ذا، ص 172: من العنب الرائع لبوادي فاس ذو الحبات ← ذي.
كما لوحظ استعمال صيغة “تمّ + المصدر” مع تهاون في مراعاة الفاعل، وهي صيغة مستوحاة من تعبيرات أجنبية أو من تأثيرات اللغة الصحافية المبتذلة، بينما تفيد “تمّ” في العربية الكمال والاكتمال وليس الإنجاز، وكان من الأفضل استخدام المبني للمجهول مع مراعاة التذكير والتأنيث،كأن نقول عوقب عوض تمّت معاقبة ، ومن أمثلة ذلك: ص 12: تمّ دراسة ← تمّت دراسة، ص 97: تمّ معاقبة ← تمّت معاقبة، ص 166: تمّ إزالتها ← تمّت إزالتها.
ما تعلّق بالمعطوف والمعطوف عليه، حيث يجب أن يتبع المعطوف للمعطوف عليه في الإعراب، ومن نماذج ذلك: ص 22: “كان زوجي يرتدي زيّا أثار في الضحك من الوهلة الأولى إذ كان نصفه عسكري(هكذا في الترجمة) والنصف الآخر مدني، أي سروال وقبعة كولونيل في سلاح المدفعية، وحذاءٍ طويل من الجلد، وصدريةٍ وسترةٍ”؛ فاللغة العربية تنفر من التكرار وتميل إلى التخفيف، وأي في هذه الجملة تفسيرية، حتى لا يُكرّر “كان يرتدي”، وما بعدها اسم يجب أن يعطف على “زيّا”، والأصح أن يُكتب: (سروالاً، حذاءً، صدريةً، سترةً). وفي ص 97: “كان يوجد بفاس عدد كبير من المحميين الفرنسيين، والكثير من المحميين البريطانيين، ومحميّين ايطاليين اثنيين”، والصحيح: “محميّان إيطاليان اثنان” لأن “محميّان” معطوفة على “الكثيرُ”.
ما تعلّق بفعل “كان”: غني عن البيان أنّ “كان” وأخواتها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ومن النماذج في الترجمة: ص 51: هكذا كان الجنود العاملين لدينا ← العاملون لأنها نعت، ص 139: كان لدينا بمدينة فاس محميّين اثنين → محميّان اثنان، ص 160: كان الحجاج القادمين من مكة ← القادمون لأنها نعت، فضلاً عن هنات أخرى مع فعل “كان”، مثل: ص 53: كان لجاك رفيقين ← رفيقان، ص 100: كان لفاطمة ضفيرتان ← كانت، ص 98: كان الحاج محمد وجميع العرب الآخرون ← الآخرين.
وأخيرا ما تعلّق بكلمة “خاصّة”: يعرب الاسم الوارد بعد “خاصّة” مفعولاً به منصوبًا لفعل محذوف تقديره “أخصّ”، ومن أمثلة ذلك: ص 38: خاصّة العابرون منهم ← العابرين.
وثمة هنات أخرى تحتاج إلى بيان قواعدها النحوية، ولتجنب الإطالة نكتفي بذكر بعض الحالات: ص 38: تمكن التقنيين الرسميين ← التقنيون الرسميون، ص 30: اللغة الإسبانية التي يستعملها جميع الأوربيون المقيمون ← الأوربيين المقيمين، ص 33: ونحن جالسين ← جالسون، ص 130: نعلم أن هناك بلدان ← بلدانا، ص 45: هم الذين يعتبرون شعراء الألوان الحقيقيون ← الحقيقيين، ص 162: بطبيعة الحال، فالأربعين درجة ← فالأربعون.
-هنات لغوية متعلقة بالإملاء:
قد تؤدي إلى تشويه المعنى المقصود، مثل ص 33: شاهدنا حشداً من العرب الغاضبين يركدون نحونا ← يركضون، إذ إن “ركد” معناها سكن وركض جرى ، ص 88: أما التأخر، فيعد بمثابة وسمة عار على جبينهم ← وصمة بمعنى الشيء المعيب، ص 135: كانت من بناة أفكار سيدها ← بنات، لأن “بناة” جمع “بانٍ”، وأما “بنا ت الأفكار” فهي مأخوذة من إنجاب العقل وإبداعه.
رسم بعض الأعلام والأماكن: ص 11: البارزيني ← بارزيني (لويجي بارزيني، مؤلف وصحافي قام برحلة إلى المغرب سنة 1906)، ص 96 وصفحات أخرى: بن كعاب ← ابن الكعاب، ويُستحسن الاستئناس بمعلمة المغرب في رسم الأسماء، ص 143: الكمياء ← الكيمياء (وترد أحيانًا في كتب التراث: الخيمياء)، ص 189: دوار العباسي ← الحباسي.
- ضبط المصطلحات في الترجمة:
من المتفق عليه أن المدخل الأسلم لكل دراسة هو ضبط مفاهيم المفردات المستخدمة فيها. بيد أن بعض الاستعمالات في الترجمة، لم تؤدِّ في مقاطع إلى الحقيقة المراد منها. وفيما يلي عيّنة من هذه الحالات:
ص 23 و31: من المعلوم أن المجاري المائية الدائمة بين طنجة وفاس، تقتصر على نهري اللوكوس وسبو، وما عدا ذلك ، فهي أودية موسمية قد تجف أحيانًا. غير أن عدة أودية في الترجمة وُصفت بأنها أنهار، وهو تعميم غير دقيق.
ص 24: ورد فيها أن طبخ جميع الأطعمة عند المغاربة، كان يعتمد على “الزبدة الزنخة”. ويجب التنويه أن فعل “زنخ” مرادف لفعل “فسد”، والواقع أن المقصود، هو ما يعرف لديهم بـ”السمن الحار” أو “السمن البلدي”، ويُحضَّر عبر طبخ الزبدة وتمليحها وتخزينها لفترة طويلة، فتمنح الطعام نكهة ورائحة قويّتَين. أما الزبدة الزنخة، فهي زبدة فاسدة نتيجة الأكسدة، فتكون غير صالحة للاستهلاك.
ص 35: لم يُميّز في الترجمة بين القرش والفلس، بينما الفلس وحدة نقدية أصغر من القرش، والنص الأصلي كان يشير للفلس. مع الإشارة إلى أن أصل كلمة “قرش” قد يكون من الإيطالية “Grosso” بمعنى الكبير.
ص 68 وصفحات أخرى: لم يُميز بين الصراخ والصياح، والمقصود في النص الأصلي هو الصياح، لأن الصراخ يكون بفعل انفعال قوي، أما الصياح فهو مجرد رفع الصوت، وبالتالي الصراخ أعلى درجة من الصياح.
ص 51: انساق المترجم مع المؤلفة في وضع اسم “أحمد” بين قوسين صيغة لتصغير اسم محمد) (diminutivo di Mohammed )، بينما هما اسمان منفصلان للرسول ﷺ مشتقان من الحمد. جاء في الموطأ: “لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد…”.
ص 67 وصفحات أخرى: لم يُميّز بين الأذان والآذان، وللتمييز بينهما نورد الجملة التالية: “نسمع أذان المؤذن بآذان صاغية“.
ص 118: جاءت الترجمة إشارة إلى “طنجة العالمية”، والصحيح هو” طنجة الدولية” ، إذ أصبحت المدينة بموجب الاتفاق الودي البريطاني-الفرنسي بتاريخ 8 أبريل 1904 منطقة دولية تُدار بشكل مشترك تحت إشراف لجنة متعددة الجنسيات، مع سيادة رمزية للسلطان المغربي.
وما يلاحظ عبر صفحات الكتاب الأصلي أن شيزوتي استخدمت للدلالة على ساكنة البلاد ثلاثة مصطلحات بمعنى واحد ، وهي “المسلمون”، “العرب”، و”المغاربة”، بينما الترجمة تبنّت غالبًا مصطلح “العرب”. والأجدى الاحتفاظ بمصطلح “المغاربة” لأنه يشمل جميع ساكنة المجال الذي تناولته المؤلفة، وهو ما قصدته فعلاً، رغم استعمالها للمصطلحين الآخرين.
وقد يؤدي تغليب مصطلح “العرب” إلى الاعتقاد بأن الكتاب يتناول شريحة سكانية محددة، وهذا ليس ما قصدته المؤلفة.
-استعمال مفردات قد لا تؤدي المعنى الأصلي:
ص 23: جاء في الترجمة: “كنا نشاهد طيور الحجل والهدهد“، بينما في النص الأصلي:
: “ci vedevano pernici pavoncelle”. والصحيح : هو “كنا نشاهد الحجل وطائر أبي طيط“، وهو من فصيلة الزقزاقيات، طويل الساق، بحجم الحمام، ذو قنزعة سوداء، وسُمي كذلك لصوت جناحيه الشبيه بالضرطة عند الطيران. أما الهدهد فيسمى في الإيطالية: “l’upupa”.
ص 25: ورد في الترجمة: “كنا نلعب لعبة الورق التافهة“. وفي النص الأصلي:
: “Facevamo una banale partita a picchetto”. الصفة الأدق هي “العادية”، لأن المؤلفة لم تقصد الحكم بقيمة سلبية على اللعبة، بل الحديث عن لعبة اعتادت لعبها مع زوجها في إيطاليا.
ص 55: علّق المترجم على اسم “فابيوك” (Fabioc)، وهو لقب أطلقته المؤلفة وزوجها على طائر الحسون الذي كان يملأ منزلهما، و كتب في الهامش:
“يطلق هذا اللقب على الشخص الهادئ والمتحفّظ الذي يصبح منفتحًا على محيطه عندما يشعر بالثقة في النفس“. بينما المعجم الإيطالي يوضح: “è un termine colloquiale utilizzato principalmente nel dialetto piemontese per indicare una persona sciocca, ingenua, credulana o un po’ scemotto”:
أي ” مصطلح عامي يستخدم في اللهجة البيمونتية للدلالة على شخص سخيف، ساذج، سريع التصديق، أو غبي بعض الشيء “.
ص 55: “كان الديوري شخصًا بسيطًا ومتسامحًا”، وفي النص الأصلي:
: “Diuri, Buon diavolo insignificante” أي “كان الديوري نزقًا وتافهًا”.
ص 115: “إلا أنه (شهر رمضان) لا يخلو من بعض العقاب حتى بالنسبة لهم”، وفي النص الأصلي: “non è però scevro di qualche penitenza anche per loro” أي “كان بالنسبة لهم فرصة للتكفير عن الذنوب “.
هذا غيض من فيض عن الهنّات التي شابت ترجمة مخطاري للكتاب المذكور أعلاه.
ولا جرم في أن من أهم أعطاب البحث العلمي ببلادنا، والتي يتحمل الباحثون وزرها، غياب أو ضعف المتابعة والتنسيق والنقد. قد يُصدر كتاب دون أي قراءة، وأحيانًا يتعلق الأمر بكتب نالت جوائز دون الالتفات إليها. بعض الباحثين يفضلون التقوقع على أنفسهم ، فيغيب التنسيق مع نظرائهم.
كما أن ثمة مفهومًا غير مؤسس عن وظيفة الوعي النقدي؛ إذ قد ينتظر من ألّف كتابًا شهادة تقدير ومديحًا، فتشيع ثقافة المحاباة والمجاملة، بل وشهادة الزور، ولو كان على حساب العلم. وقد يستغل القارئ ذلك لتصفية الحسابات واستعراض العضلات، فيتحول النقد الموضوعي إلى تربّص وفعل عدائي.
ولله درّ الخليفة عمر بن الخطاب القائل: “رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي“.










