إدغار موران.. إرث الفكر المركب في زمن انهيار اليقينيات..

admin
2026-06-04T01:18:46+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin4 يونيو 2026آخر تحديث : منذ يوم واحد
إدغار موران.. إرث الفكر المركب في زمن انهيار اليقينيات..
  • مصطفى قشنني

لا يموت مفكر بحجم إدغار موران مرتين، بل يموت كل يوم حين نختزل تعقيد العالم إلى ثنائيات زائفة، وحين نفضل اليقين الوهمي على الحقيقة الناقصة، وحين نستمر في تعليم الأجيال كيف يحفظون الأجوبة بدل أن يتعلموا كيف يطرحون أسئلة مركبة. رحيل موران عن مائة عام من العطاء ليس خسارة لفرنسا وحدها، بل هو لحظة حساب للبشرية جمعاء: ماذا فعلنا بفكر رجل قضى حياته يحذرنا من أننا نبني حضارة على قاعدة منهجية خاطئة؟ إن التأمل الجاد في إرث موران اليوم، أي بعد انطفاء الجسد وبقاء الفعل، يقودنا إلى حقيقة صادمة: تأثير هذا الفيلسوف على السياسة والفلسفة عالمياً لا يقاس بما تم تطبيقه، بل بما فشلنا في تطبيقه، وتحديداً في تلك اللحظة التاريخية التي نحن فيها أحوج ما نكون إلى “فكر مركب” ينقذنا من انتحارنا البطيء.

لنبدأ بالفلسفة، لأنها ساحة المعركة الأولى والأعمق. قبل موران، كان المشهد الفلسفي العالمي مقسماً بين معسكرين لا ثالث لهما: من جهة، التحليلية التي اختزلت الفلسفة إلى منطق ولغة ورياضيات، ومن جهة أخرى، الظاهراتية والتفكيكية التي انشغلت بالنص والذات منعزلة عن الكون المادي. جاء موران ليقول إن هذا الانقسام نفسه هو المرض والعطب. ليست الفلسفة الحقيقية هي التي تختار بين العلم والإنسان، بل التي تدرك أنهما وجهان لعملة واحدة معقدة. إن مقولته الجوهرية بأن “الإنسان كائن بيولوجي وثقافي واجتماعي ونفسي في آن واحد” ليست مجرد توصيف، بل هي منهج، هي ثورة إبيستمولوجية تكسر جدران التخصصات.

لقد كان لموران الفضل في نشأة جيل من الفلاسفة في البرازيل والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا… لم يعودوا يخشون من عبور الحدود بين البيولوجيا والأنثروبولوجيا، بين نظرية النظم وتاريخ الأفكار. هؤلاء الفلاسفة والمفكرون الجدد لم يعودوا ينظرون إلى التعقيد باعتباره عائقاً أمام المعرفة، بل باعتباره شرطها الأساسي. ولكن هل انتصر هذا المنهج في مراكز الفلسفة الأنجلوسكسونية المهيمنة؟ كلا، وهنا تكمن المفارقة. لا تزال كبرى أقسام الفلسفة في أميركا وبريطانيا تخرّج فلاسفة يعرفون كل شيء عن نظرية الأفعال الكلامية، ولا يعرفون شيئاً عن التحدي البيئي أو الأزمة الوجودية للبشرية، لأنهم تعلموا أن “الفلسفة الجادة” هي تلك التي تتجنب “العموميات السطحية”. لقد قتلوا العمق باسم الدقة، وهنا تجلت عبقرية موران النقدية: الدقة الحقيقية ليست في التفصيل، بل في الربط.

أما التأثير الفلسفي الأكثر خفوتا ولكنه الأكثر جوهرية، فهو ذلك التحول الهادئ في مفهوم “العقلانية” ذاته. موران لم يكن قط عدواً للعقل، بل كان عاشقاً لعقلانية أخرى، عقلانية لا ترفض الشك، ولا تخجل من الاعتراف باللاقطعي، ولا تهرب من التناقض. في زمننا الحالي، حيث تهتز أسس الخطاب العقلاني تحت وطأة “ما بعد الحقيقة” والتضليل الإعلامي المنظّم، يقدم موران نموذجاً ثالثاً خارج ثنائية “عقلانية متعجرفة” و”لا عقلانية هائمة”. إن العقلانية المركبة عنده هي التي تمتلك الشجاعة للقول كما قال سقراط من قبل: “أعلم أنني لا أعرف بشكل كامل، لكن هذا لا يعني أن كل شيء نسبي”. هذا الموقف الفلسفي الهش والقوي في آن واحد هو ما يحتاجه العالم اليوم لمواجهة الديماغوجيين الذين يختزلون السياسة إلى شعارات، والذين يقنعون الجماهير بأن الحل بسيط، والعدو واحد، والأجوبة جاهزة. التأثير الموراني هنا ظاهر في خطابات الفلاسفة السياسيين المعاصرين مثل البلجيكية شانتال موف و الأرجنتيني إرنستو لاكلاو صاحب نظرية “ما بعد الماركسية”، لكنه ظاهر أيضاً في فشل الفلسفة الأكاديمية التقليدية في تقديم بديل مقنع للشعبوية، لأنها ظلت أسيرة ذات التبسيط والتسطيح الآلي الذي يختزل الظاهرة في أسبابها الاقتصادية فقط، متناسية الأبعاد النفسية والأسطورية والهوياتية.

ولكن ربما يكون الفضاء السياسي هو المسرح الأكثر دراماتيكية لغياب موران وحضوره في آن. إن سياسات العالم اليوم، من واشنطن إلى موسكو، من بكين إلى بروكسل، تعاني من مرض عضال شخّصه موران بدقة متناهية: “العمى المركب”، أي القدرة المذهلة على رؤية التفاصيل مع العجز التام عن رؤية الكل. لنأخذ أزمة المناخ مثلاً، إنها النموذج الأمثل لفشل الفكر المبسط. الحكومات تتعامل معها كملف بيئي مستقل، بينما هي في الحقيقة ملف اقتصادي وصحي وجيوسياسي وأخلاقي وثقافي. موران كان يردد أن مشكلة البيئة ليست مشكلة الطبيعة، بل مشكلة علاقة الإنسان بطبيعته الداخلية والخارجية. ولهذا، فشلت أغلب مؤتمرات المناخ في تحقيق إنجاز حقيقي، ليس بسبب سوء نية السياسيين فقط، بل لأنهم يفكرون بمنطق الأجزاء. التأثير العالمي لموران هنا محبط. لقد قرأه قادة بيئيون كثر، وأقتبسوا مقولته عن “الأرض وطن”، لكنهم عادوا ليشرحوا خططهم في إطار وطني ضيق، متناسين أن الكوكب لا يعترف بالحدود، وأن فك ارتباط المشكلة عن سياقها العالمي هو جوهر المشكلة ذاتها.

هناك تأثير آخر لا يقل أهمية، وهو مفهوم “السياسة الحضارية”. في عالم تحكمه آليتان فقط: السوق والدولة، جاء موران ليقول إن هناك حاجة إلى قوة ثالثة، قوة المجتمع المدني المنظم، قوة التضامن المعقد الذي لا يختزل المواطن إلى ناخب أو مستهلك. أثر هذا المفهوم بوضوح في تجارب الديمقراطية التشاركية في أميركا اللاتينية، خصوصاً في فترات حكم لولا دا سيلفا في البرازيل، حيث حاولت بعض السياسات أن تتجاوز الاشتراكية التقليدية والنيوليبرالية نحو نموذج يراعي التعقيد الثقافي والبيئي. لكن المأساة أن هذه التجارب كانت مؤقتة وسرعان ما انهارت تحت ضغط الأزمات الاقتصادية وعودة منطق التبسيط الاستقطابي. إن فشل هذه التجارب ليس دليلاً على خطأ موران، بل على صعوبة تطبيق فكره في زمن يقدس السرعة. فالسياسة الحضارية تتطلب زمناً طويلاً، وتتطلب مواطنين متعلمين تعليماً مركباً، وتتطلب نخباً قادرة على تحمل الغموض. وهذا بالضبط ما يفتقر إليه العالم اليوم.

لكن لا يجوز بحال من الأحوال أن نختزل إرث موران في مجرد مجموعة أفكار لم تُطبق. ربما يكون أثره الأعظم في تغيير طريقة التفكير لدى أولئك الذين لا يعرفون اسمه. لقد تسرب “الفكر المركب” إلى مناهج التعليم في عدة دول، وإلى خطط التنمية، وإلى أدبيات منظمات المجتمع المدني. حتى في الاقتصاد، بدأ بعض المنظرين الجدد في تناول ظاهرة السوق ككيان مركب يتداخل فيه العقلاني واللاعقلاني، المتوقع والكارثي. هذا هو سر عبقرية موران: أفكاره تنتشر كالفيروس الحميد، حتى بين من لا يؤمنون به.

إن إدغار موران لم يترك للعالم برنامجاً سياسياً أو عقيدة فلسفية فقط، بل ترك أداة. الأداة الوحيدة القادرة على تفكيك الأوهام الكبرى للعصر: أوهام البساطة، أوهام اليقين، أوهام الحل السحري. تأثيره الحقيقي سيُقاس بعد عقود، حين تدرك البشرية، ربما بعد فوات الأوان، أن رجلًا واحداً كان يملك الشجاعة للقول إننا نركض بسرعة لكن نحو الهاوية.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.