في محراب التفاهة..تأملات في أموالنا التي ترقص على أنغام العبث..

admin
2026-06-29T23:57:13+02:00
مقالات رئيس التحرير
adminمنذ 3 ثوانيآخر تحديث : منذ ثانيتين
في محراب التفاهة..تأملات في أموالنا التي ترقص على أنغام العبث..
  • مصطفى قشنني

هَبْ أنك وقفت على سطح هذا الكون، تنظر إلى الأسفل كملاك أو مارد متعب، ترى بشراً يتجمعون في فضاءات مفتوحة، يرفعون أيديهم كالمستجْدين، يصرخون بكلمات لا معنى لها، يبكون على نغماتٍ لا تساوي قطرة مطر في صحراء، وتحت أقدامهم تدور عجلاتٌ من ذهبٍ سائل، ذهبنا نحن، الذي قطفناه من عرق جباهنا، من دموع أطفالنا، من أنفاس شيوخنا المحتضرين في قرى لا يصلها الكهرباء، فإذا به يتحول إلى وميضٍ على خشبةٍ عاجية، يلهث خلفه نجمٌ يظن أن صوته يحرك السكون، بينما السكون كله في القرى التي لا تسمع غير عويل الرياح وصراخ الجوع.

لست هنا لأذوق الفنّ أو لأحرقه، فما أنا بمفتٍ على الأذواق، وما الذائقة إلا سرابٌ شخصي، شأنها شأن الحبّ، لا يُشترط له منطق ولا يُسأل له عن برهان، ولكنّي هنا لأنبش في جوف هذا المسرح الخشبي الهائل، ذلك الذي تتداعى عليه أموالنا كالجراد، لتُؤكل في ليلةٍ واحدةٍ أمام ملايين العيون التي تصفق وهي غافلة عن أن نصف ما أُنفق هناك كان كافياً لأن يبني جسراً يصل بين قريةٍ وعالمها، أو مستوصفاً يلتقط أنفاس طفلٍ كان سيموت قبل أن يبلغ السادسة. أليس هذا هو العبث الأعلى، أن نبني منصات للطرب ونترك منصات الحياة تنهار تحت أقدام الفقراء؟

المشكلة ليست في المهرجان كفعل وجودي، فالبشرية جمعاء احتفلت منذ أطلّت على هذه الأرض، فالإغريق رقصوا تحت الشمس، والزنوج دقوا طبولهم في الغابات، والصينيون أضاءوا الفوانيس، فالمهرجان مرآة الروح التي تبحث عن الانعتاق من ثقل الأيام، ولكن الفارق الأعمق أن احتفالات القدماء كانت تنبض من الأرض، من موسم الحصاد، من انتصار في حرب، من ولادة ملحمة، أما احتفالاتنا اليوم فتنبض من الجيوب، من العقود الموقّعة، من صفقات الرعاية، من مواسم اقتناص الفرص التي ينظمها سماسرة الثقافة ليحصدوا فيها ما لا يحصده المزارعون في عمرٍ كامل. هناك فرقٌ شاسعٌ بين أن يرقص الفلاح فرحاً بسنبلةٍ في حقله، وأن نرقص نحن على أنغامٍ مستوردة، لا تُطعم جائعاً ولا تشفي مريضاً، بل تزيد في رصيد نجمٍ قد لا يذكر اسم بلدنا بعد أن تغادر طائرته الخاصة المدارج.

تأمل هذا التناقض اللامعقول: بينما تعلو أصوات الطرب في المدن الكبرى، وتتزين الشوارع بالأضواء، وتُباع التذاكر بأسعار خرافية، هناك في الأعماق، في تلك البقاع النائية التي تختفي من الخرائط، حياةٌ بأكملها تتصارع مع الوحل، معزولة عن الدنيا، كأنها كوكبٌ آخر، أطفالها يمرضون فلا يجدون طبيباً، ونساؤها يلدن في الظلام فلا يجدن ضوءاً، وشيوخها يموتون فلا يجدون طريقاً يحمل جثثهم إلى مدافنَ كريمة. ثم نأتي نحن، بنخوتنا الفارغة، نقول إن هذه المهرجانات تُشغل الشباب وتبعدهم عن التطرف، وكأن الاحتفال الخاوي يصنع وعياً، وكأن الهلوسة الجماعية على صوتٍ مكرر يمكن أن تكون بديلاً عن مدرسةٍ تعلم النقد، أو عن مؤسسةٍ تغرس القيم، إنه أشبه أن نُخدر المرضى بدلاً من أن نعالجهم، أن نُلهي الجياع بالحكايات بدلاً من أن نُشبعهم بالخبز.

ثمّة سؤال وجودي يعيدنا إلى أنفسنا: ماذا نريد حقاً من هذه الحياة؟ هل نريد أن نكون شعباً يفكر، يبني، يبتكر، ينقد، أم شعباً يستجيب كالقطيع لصفارةٍ واحدة، يهتف لمن يدفع أكثر، ويصمت حين تُنهب حقوقه؟ إن المهرجانات في صيغتها الحالية ليست سوى استعارةٍ بائسة لهذا العصر، عصر الصورة المزيفة، حيث نصبح كمن يشتري ثوباً براقاً ليُغطي جسداً منهوكاً، أو كمن يضع عطراً فوّاحاً ليُخفي رائحة العفن في الزوايا. نجتمع في مساحات شاسعة، نرفع أيدينا، نردد الكلمات، نغرق في حالةٍ من الوجد الزائف، ولكن حين تنطفئ الأضواء، ونعود إلى بيوتنا، نجد أن الفقر ما زال هناك، أن البطالة ما زالت تنخر العظام، أن التعليم ما زال يتخبط في مستنقعه، وأنّ كل ما فعله ذلك المهرجان هو أنه سرق منا ثلاث ساعات من العمر، وملايير من الجيب، وأوهاماً من الوعي.

قد يقول قائل: هذه المهرجانات تدرّ دخلاً على البلاد، تُنشط السياحة، تُشغل اليد العاملة، تُظهر صورةً مشرقة للوطن، ولكن هذا الكلام هو نفسه الذي يُروّج له تجار المتعة ليُضفوا شرعيةً على نهبهم، فهل السياحة الحقيقية تُبنى على خشبةٍ تغني، أم على حضارةٍ تنتج؟ هل الصورة المشرقة هي تلك التي تُظهرنا نرقص كالمجانين، أم تلك التي تُظهرنا نبني مستشفياتٍ تعالج سرطان الأطفال، وطرقاً تصل بين القرى، ومدارس تخرّج عقولاً تنير الظلمات؟ إن العقول المستنيرة لا تبحث عن فرجةٍ تنسيها وجعها، بل عن مشروعٍ يمنحها أفقاً، وإن الزائر الذي يأتي ليرى مهرجاناً سيأتي أيضاً ليرى فقراً إذا كان هناك فقر، وسيأتي ليرى جمالاً إذا كان هناك جمال حقيقي، فكيف لنا أن نخدع العالم ونحن نخدع أنفسنا؟

أنا لا أدعو إلى إلغاء الغناء ولا إلى تحريم الرقص، فالحياة دون أنغام كجسدٍ دون روح، ولكنني أدعو إلى أن نعيد تعريف معنى الفرح، أن نجعل الفرحَ قيمةً إنسانية عميقة لا قيمةً استهلاكية عابرة، أن نجعل الموسيقى صوتاً للحياة لا صوتاً للصمت عن الموت، أن نُعيد توزيع غنائنا الثقافي بحيث يكون للفقراء نصيبٌ فيه، بحيث تكون خشبة المسرح ممتدةً على كل شبرٍ من ترابنا، لا أن تُحشر في مدينةٍ كبرى ويُدفع ثمن تذكرتها ما يعادل دخل عائلةٍ بأكملها لشهرٍ كامل. يمكن للفن أن يكون في كل مكان، في الزاوية، في المقهى، في الحقل، في المصنع، دون حاجةٍ إلى ميزانية خيالية، دون حاجةٍ إلى استيراد نجومٍ من هنا وهناك، لأن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يخرج من وجدان الناس لا الذي يفرض عليهم من فوق.

فماذا لو توقفنا عاماً واحداً فقط، عاماً نُعيد فيه حساباتنا، عاماً نُغلق فيه تلك الخشبات الصاخبة، ونفتح بدلاً عنها ورشات البناء، لرأينا العجب، لرأينا كيف يمكن لتلك الملايير أن تحوّل وجه البلاد، أن تبني في كل قريةٍ مدرسةً باسمٍ من أبنائها، أن تخلق في كل دوارٍ مركزاً صحيّاً ينبض بالحياة، أن تشق طريقاً تتحرر به عائلةٌ بأكملها من وحل العزلة، أليس هذا هو المهرجان الحقيقي؟ أليس هذا هو الطرب الذي يبقى في الذاكرة؟ أليس هذا هو الصوت الذي يستحق أن يُخلّد؟ الفرح الحقيقي ليس في أن تسمع نغمةً جميلةً ليلةً واحدة، بل في أن تعيش حياةً جميلة كل الأيام، في أن ترى طفلك يمشي إلى المدرسة دون أن يغرق في الوحل، في أن تلمس يدك جدارَ مستوصفٍ يضمن لك حقّاً كان غائباً، في أن تشعر أن أموالك لم تذهب هباءً، بل تحولت إلى نبضٍ دائم في شرايين هذا الوطن.

إنني هنا أكتب هذه الكلمات لا لأكون صوّتَ تشاؤمٍ ولا ناقداً عبثياً، بل لأكون نبضَ أملٍ يعيد ترتيب أولوياتنا على طاولة العقل، فالحياة ليست مسرحيةً تنتهي حين تنطفئ الأضواء، الحياة هي ذلك النصّ الطويل الذي نكتبه كل يوم بفعلنا لا بكلامنا، بإنفاقنا لا بهتافنا، بخياراتنا لا بانفعالاتنا. فهل نختار أن نبقى في حلبة العبث، نرقص على أنغامٍ مستوردة ونبكي على أوتارٍ باهظة، أم نختار أن نصنع من أموالنا قناديلَ تنير دروب القرى النائية، وتفتح عيون الأطفال على علمٍ ينفع، وتضمّد جراح شيخٍ ظلّ سنواتٍ ينتظر أن تلتفت إليه الدولة؟

إن الاختيار بين مهرجانٍ صاخبٍ ومستوصفٍ نابض، بين أغنيةٍ عابرةٍ وطريقٍ دائم، ليس اختياراً فنياً ولا ثقافياً، إنه اختيار أخلاقي وجودي بامتياز، يحدد هويتنا أمام التاريخ، وموقفنا أمام الضمير، وقيمتنا أمام أولئك الذين سيجيئون بعدنا، فإما أن نكون جيلاً استنزف المال في الرقص على الجثث، أو جيلاً حوّل كلّ درهمٍ إلى نبضِ حياةٍ يستحق الخلود.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.