- مصطفى قشنني
اعلم رحمك الله أن القضاء ليس مجرد وظيفة يُؤدى أداؤها، ولا هو مجرد سلطة تُمارس بقوة القانون، بل هو قبل ذلك وبعده مرآة تعكس صورة الأمم في أحلك لحظاتها، وهو الميزان الدقيق الذي تُوزن به حضارة الشعوب، لا بمقدار ما تملك من جيوش أو ثروات، بل بمقدار ما تملك من قدرة على إعادة الحق إلى نصابه رغم أنف العواصف والأهواء. إن جوهر القضاء، كما يبدو لي في خلوة التأمل العميق، هو ذاك الصراع الأبدي واللامتناهي بين سطوة القوة المادية الظاهرة، وبين سلطان العقل والعدل الباطن المضمر. وفي هذه المعركة الضارية، لا يغلب الأقوى دائماً، بل يغلب الأكثر إيماناً بقيمة الإنسان وبقداسة الكرامة، لأن الفعل القضائي ليس فعلاً مادياً محضاً، بل هو فعل روحي وأخلاقي بامتياز. إنني لأحسب أن أعظم أخطار العصر التي تتهدد كيان العدالة، وثمة خطورة لا تقل عن الجريمة ذاتها في إفسادها للمجتمع، هي تلك النزعة الماكرة التي تسعى بكل جهد لاختزال القضاء إلى مجرد أداة صماء في يد سلطة متغطرسة، أو خادم ذليل لأهواء اللحظة الزائلة، متناسيةً أن القاضي الذي يخضع للهوى أو يرضخ للضغط ليس قاضياً بالمعنى الفلسفي للكلمة، بل هو مجرد موظف ينزع رداء العدالة النقية ليستبدله برداء الطاعة العمياء، ويسقط في هاوية الرداءة القانونية.
إن اللحظة الفارقة التي يستيقظ فيها القاضي على حقيقة ذاته، مدركاً أنه ليس خصماً للمتهم، وليس جزءاً من دائرة الاتهام التي تريد الإيقاع، بل هو الحارس الأمين على مبادئ إنسانية لا ترتبط بزمان ولا مكان، هو اللحظة التي يولد فيها القضاء الحقيقي ويتجسد المعنى الأسمى للعدالة. فالقانون، في أبهى صوره وأعمق تجلياته، ليس سرداً جامداً وجافاً للنصوص، بل هو روح متدفقة تتنفس في كل فقرة من فقراته، روح تسعى إلى الكمال الإنساني، وتعترف بالضعف البشري كجزء من طبيعة الوجود المعقد، وتمنح الإنسان فرصة التطهر والبراءة حتى يثبت العكس. ومن هذا المبدأ الإنساني الأعمق تبرز العقيدة الكبرى التي قامت عليها المحاكمات الجنائية، تلك العقيدة التي رفعها المشرع الحكيم شعاراً خالداً وأصلاً مرسوخاً، وهي أن المتهم بريء حتى يثبت يقيناً قاطعاً غير قابل للشك ما ينفي هذه البراءة الذاتية. إن هذا المبدأ ليس مجرد حيلة دفاعية، بل هو حجر الزاوية في فلسفة الحرية، وبدونه يتحول القضاء إلى آلة طاحنة تطحن الأبرياء، وتزرع الخوف والرعب في القلوب، وتجعل من العدالة مجرد أسطورة تروى على ألسنة الضعفاء، وتجرد المجتمع من إنسانيته.
لكن السؤال الفلسفي الجوهري الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بحدة: ما هو ذلك “اليقين” الذي يتربع على عرش الإثبات، ويمنح القاضي الحق في سلب حياة إنسان أو حريته؟ إنه ليس مجرد تراكم للأدلة المادية، ولا كثرة في الشهود، ولا حتى اعتراف يُنتزع من بين أنياب اليأس والإرهاق. اليقين، في فلسفة القضاء العميقة، هو تلك الطمأنينة التي تغشى القلب والعقل معاً، تلك الحالة من الاستقرار الفكري والوجداني التي يصل إليها الضمير بعد أن يفحص كل الاحتمالات الممكنة، ويمحص كل القرائن، ويطمئن إلى أن الظل لا يمكن أن يكون جسماً، وأن الخطأ لا يمكن أن يتحول إلى حقيقة مهما كانت رغبة المجتمع جامحة في إيقاع العقوبة وبصرف النظر عن حجم الغضب الشعبي. نحن نعيش في عالم تنبض فيه الشكوك، تملأ الفراغات، وتتسرب إلى الروابط الخفية بين الأدلة. فإذا كان الشك يحتمل وجهين، أو حتى يحتمل احتمالات متعددة، فلماذا نختار دائماً الوجه الذي يسفر عن الإدانة دون غيره؟ أليس الشك في جوهره، كما يؤكد كبار فقهاء القانون وفلاسفة العدالة، هو باب واسع مفتوح على البراءة، لا على وهم الإدانة؟ إن البناء الذي يقوم على أرض الشك، مهما بدا في الظاهر صلباً وقوياً، هو بناء مائل آيل للسقوط حتماً، لا يستحق أن يحتمي به قاضٍ يبحث عن الحقيقة المطلقة، لأن الحقيقة لا تستقيم على قدمين متعثرتين، بل تحتاج إلى يقين راسخ لا يتزعزع.
الأمر هنا يتجاوز حدود النص القانوني الجاف، ويضرب بجذوره في فلسفة الإنسان ذاته. القضاء، في جوهره العظيم، هو إنساني قبل أن يكون قانونياً، وهو انعكاس لأخلاق المجتمع قبل أن يكون استجابة لأوامر الدولة الصارمة. ولا ينفع مع هذا النسيج المعقد أن توضع الأدلة بعضها إلى جانب بعض دون أن يميز القاضي بين ما هو وهم وما هو واقع، وبين ما هو حادث فعلي وما هو مخطط له بعناية. إن المشرع نفسه، حين وضع أصول المحاكمة وأسس التصديق، لم يتغافل عن الألم الإنساني العميق، عن ذلك الكائن المذعور الذي قد يُساق إلى قفص الاتهام لأسباب لا تمت إلى إرادته بصلة. ولو أننا أنعمنا النظر بمشرط التحليل في مبدأ البراءة الأصلية، لوجدنا أنه ليس مجرد قاعدة قانونية جامدة، بل هو اعتراف ضمني وواضح بحدود سلطة الدولة، واعتراف صريح بأن الإنسان، مهما بلغت جرائمه أو قسى قلبه، يظل كائناً يحق له أن يظل على أصله البشري الطاهر حتى تخرق البراءة بين يديه دليل قاطع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولكن، هل الخطر الحقيقي يأتي من ضعف الدليل فقط، أم من ضعف الضمير قبل كل شيء؟ إن أعتى التحديات وأكثرها إيلاماً التي تواجه القضاء في يومنا هذا، ليست في صعوبة الجريمة ولا في تعقيد وسائلها، بل في قدرة القاضي الفائقة على مقاومة تيار الرأي العام الجارف، وفي شجاعته النادرة على قول كلمة “لا” وسط جوقة متعطشة للعقاب والسخط. إن العدالة تتطلب شجاعة استثنائية، شجاعة قد تكلّف القاضي مكانته أو تتعب أنصاره، وتجبره على الوقوف وحيداً كجبل شامخ في مواجهة ضغوط قد تصل إلى حد الإقصاء والتجريح. والمسألة هنا ليست مسألة بقاء أو زوال، بل هي مسألة كرامة وجوهر. فالذي يبتغي سلامة المركز ويخشى على منصبه، ولا يبتغي سلامة الحكم وخلود الضمير، لا يُعد قاضياً أصلاً، بل هو مجرد مرؤوس مأجور. إن الطمأنينة التي يجب أن تسود في أروقة المحاكم ليست طمأنينة نصوص القانون، بل طمأنينة الضمائر التي توطنت على العدل، وتربت على احترام الحق، وتنفس الهوى حتى كاد يموت في صدرها. وإذا ضعفت الضمائر، ساد الفساد، وتجرعت الشعوب مرارة الظلم وهي تظن أنها تتذوق حلاوة القصاص.
دعني صديقي القاضي أتغلغل بعمق في جوهر الصورة. إن القضاء ليس مجرد أنشودة تتغنى بها الدساتير في ديباجاتها الافتتاحية المزخرفة. القضاء هو إرادة نابضة ومتجددة، تتصارع بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. إننا نرى في النصوص القانونية تصوراً مثالياً للحقيقة، ولكننا نرى في تنفيذها معركة شرسة بين الالتزام بحرفية النص والنزوع إلى روحه وغاياته السامية. عندما ينظر القاضي إلى أوراق القضية، ينبغي له ألا يرى مجرد أوراق، بل يجب أن يرى قلباً ينبض بالأمل أو الخوف، وأناساً تعيش عائلاتهم في حالة ترقب خطير على كلمة سيلفظها من فمه. وعندما يدرك ذلك، يدرك القاضي أن الكلمة التي يلفظها ليست مجرد كلمة، بل هي قدر يتحكم في مصائر. إنه لخطر جسيم أن نعامل الإنسان كرقم ضائع في ملف، أو كبيانات باردة في سجل، إن التفرد الإنساني، الذي هو أثمن ما نملك، يجب أن يكون حجر الزاوية في أي حكم عادل. ومن هنا، فإنه لا تكتمل إنسانية القانون إلا حين يشتمل على رحمة، ولا تكتمل هيبته إلا حين يحتوي على إنصاف. ولا يتأتى الإنصاف إلا بالتثبت، ولا يتأتى التثبت إلا بحسن تلقي الأدلة، ولا يتأتى حسن التلقي إلا بفتح نافذة العقل الرحبة لكل الاحتمالات ولو كانت مستبعدة.
إن الظن، مهما غلب على ظنوننا، لن يتحول إلى يقين أبداً. وبين الظن واليقين وادٍ سحيق وعميق، وعبور هذا الوادي الشائك يحتاج إلى مجهود فائق، يحتاج إلى ترجيح كفة العدالة لا كفة العقاب، وكفة الإخوة البشرية لا كفة التفوق الوهمي. إن من العدل حقاً، أن يكون الشك لصالح المتهم، لصالح الضعيف أمام قوة الدولة الجبارة. إنها معادلة أبدية، معادلة لا يفهمها إلا من فقه فلسفة الوجود، وأدرك أن أول واجبات الدولة ليس معاقبة المذنب، بل حماية المظلوم واستباق الظلم. لقد أنزلت القوانين، لكن الضمائر هي التي تفسرها، وهي التي تكسبها روحها، أو تفرغها منها. القاضي الذي يعتقد أن القانون صلب لا يلين، هو قاضٍ لا يفقه القانون أصلاً، لأن القانون في حقيقته يفيض بالحياة، ويتغير بتغير الظروف، ولا ينفصل أبداً عن الواقع المعاش. هذه هي الرسالة العظمى التي يحملها القضاء في عنقه، والتي يجب أن نؤمن بها كعقيدة راسخة. إن فلسفة القضاء ليست فلسفة العقاب، بل فلسفة التطهير وإعادة التوازن الكوني. إنها إعادة النظام إلى العالم، والنظام ليس مجرد إمساك بيد المجرم، بل هو ضمان أن الضعيف لن يخضع للقوي، وأن الحق سيعلو ولو بعد حين، وأن ثقة الناس بالعدالة، التي هي سر بقاء الأمم، ستظل شامخة لا تزول. إن ذلك الإحساس بالاستقامة، والشعور بأنك تعيش في مجتمع يقدر لك حقك، هو ما يمنح الحياة معنى عميقاً، وهو ما يجعل من سعينا خلف الحقيقة في القاعات الباردة للمحاكم، رحلة مقدسة وأمل سرمدي لا ينطفئ. لأن العدالة ليست مجرد نتاج، بل هي طريق، وليس لها سوى فجر واحد: فجر إحقاق الحق مهما استعصى الطريق، ومهما غربت شمس الأمل خلف سحب الكيد والافتراء، فالقضاء الحقيقي سيبقى حارساً أميناً ونوراً لا يطفئ، يقف صامداً كالطود الشامخ في وجه العواصف، لأنه يعلم يقيناً أنه لا قوة لسلطان إلا ما استمده من سلطان الضمير الحي الذي لا يموت (…).







