- مصطفى قشنني
في لحظة تاريخية تختزل فيها السياسة المغربية عبقرية التناقض، حيث تتقاطع دهاليز الميزانية مع مدرجات كرة القدم، حيث يتحول الوزير المنتدب فجأة إلى أيقونة رياضية، ثم إلى مرشح محتمل لرئاسة الحكومة، وكأنما الوطن مجرد ساحة للهو والتفاخر ، والمواطنون مجرد جماهير تهلل لمن يصنع الأهداف لا لمن يصنع المستقبل الحقيقي للوطن، نجد أنفسنا أمام مسرحية عبثية تليق بمسرح العبث الذي كتبه صامويل بيكيت، حيث ينتظر الجميع “غودو” الذي لا يأتي، أو يأتي متأخراً في قناع جديد. فوزي لقجع ليس مجرد وزير ينتقل إلى حزب سياسي، بل هو تجسيد لمرحلة سياسية بامتياز، مرحلة البحث عن “المنقذ” بأي ثمن كان، حيث تتحول الأحزاب إلى وكالات توظيف تبحث عن مديرين تنفيذيين من خارج قطاعها، وكأنما السياسة ليست مشروعاً مجتمعياً، بل عرضاً تسويقياً يحتاج إلى وجه إعلاني جذاب وكفى.
وهنا يبرز السؤال الوجودي الذي يخترق صميم التجربة السياسية المغربية: كيف يمكن لبلد أن يبني ديمقراطيته على استيراد الوجوه بدلاً من إنتاج الكفاءات؟ كيف يمكن لمؤسسات سياسية أن تدعي الجدية وهي تعترف بفشلها الذريع في أداء وظيفتها الأساسية، وظيفة تأطير المواطنين وتكوين النخب وصقل القيادات عبر التدرج والممارسة والمحاسبة؟ إن استقدام لقجع، أو غيره من الشخصيات الناجحة في مجالات أخرى، ليس مجرد خيار تكتيكي، بل هو إعلان رسمي عن إفلاس الحياة الحزبية، عن موت المشاريع الأيديولوجية، عن تحول الأحزاب إلى مجرد علامات تجارية تتنافس في سوق الانتخابات، حيث المهم ليس المضمون، بل التغليف، ليس البرنامج، بل الشخصية، ليس المشروع، بل الصورة.
إن هذه الظاهرة، في عمقها الفلسفي، تعكس أزمة وجودية في مفهوم السياسة ذاتها في المغرب. السياسة، في جوهرها، ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة، ليست وسيلة للوصول، بل غاية في ذاتها، ليست لعبة حصد مقاعد، بل مشروع تحويل المجتمع نحو الأفضل. ولكن ما نراه اليوم هو العكس تماماً: سياسة بلا مبادئ، أحزاب بلا هوية، نخب بلا مشروع، ومواطنون بلا ثقة. إنه مشهد يليق بمسرح العبث، حيث يتجول السياسيون بين اليمين والوسط واليسار وكأنهم سياح في بزارات سياسية، لا يهمهم الانتماء، ولا تؤثر فيهم الأيديولوجيا، ولا تحركهم القيم، بل يحركهم فقط الجوع إلى المقاعد، والولع بالمناصب، والانبهار بامتيازات السلطة. هذا التنقل الحر بين الأحزاب، هذه المرونة الأيديولوجية المفرطة، ليست دليلاً على النضج السياسي، بل هي دليل على الفراغ الروحي، على غياب البوصلة، على تحول السياسة إلى مجرد مهنة حرة يمارسها من يريد الحصول على راتب أفضل ومنصب أعلى.
وفي الجانب الآخر من هذه المسرحية، يقف المواطن المغربي، ذلك المتفرج الصامت، أو بالأحرى ذلك الضحية الصامتة، الذي يشاهد كل هذا العبث بعينين ذابلتين، يحمل في قلبه يأساً وجودياً لا يقل عمقاً عن عبثية المشهد نفسه. إنه يرى كيف أن الوعود تتبخّر في الهواء بمجرد انتهاء الحملات الانتخابية، وكيف أن البرامج الانتخابية ليست أكثر من كتيبات تزيينية تتحول إلى ورق لتغليف القزبر والكرافص والشيبا والنعناع في آخر المطاف..، وكيف أن نفس الوجوه تظهر وتختفي وتظهر مجدداً تحت مظلات مختلفة، وكأنها قطع شطرنج في لعبة لا يعرف قوانينها سوى اللاعبون المحترفون الكبار. هذا المواطن، الذي يستيقظ كل صباح لمواجهة تحديات العيش الكريم، لمواجهة البطالة، وتدهور التعليم، وغلاء المعيشة، وتردي الخدمات العامة، والتفكير في الهجرة والمغادرة، يجد نفسه أمام نخبة سياسية تعيش في عالم مواز، عالم من المصالح الضيقة والصراعات الشخصية والتنافس على المكاسب، عالم لا يختلف كثيراً عن عالم اللاعبين في مباراة كرة قدم، حيث الأهم هو الفوز، بغض النظر عن الروح الرياضية، وعن جمالية اللعب، وعن رسالة اللعبة نفسها.
إن هذا اليأس ليس مجرد شعور عابر، بل هو ظاهرة اجتماعية نفسية عميقة، أزمة ثقة شاملة، انهيار للرابطة بين النخبة والجماهير، بين المؤسسة والشارع. إنها أزمة تجعل من الكثير من المواطنين يشعرون بأن صوتهم الانتخابي لا قيمة له، وأن مشاركتهم لا طائل من ورائها، وأن السياسة لعبة يحكمها المال والنفوذ والعلاقات، وليس البرامج والمشاريع والكفاءات. هؤلاء المواطنين، رغم كل شيء، لا يزالون يحتفظون بقدر كبير من الوعي، إنهم يرون التناقضات بوضوح، يلاحظون كيف أن الخطابات الرنانة لا تترك أثراً، وكيف أن الوعود تتحول إلى سراب، وكيف أن المسؤولين يختفون بعد الانتخابات ليظهروا مجدداً في الانتخابات التالية، وكأنهم يعيشون دورة انتخابية أبدية، لا علاقة لها بحياة الناس اليومية.
وهنا يأتي دور السوسيولوجيا، تلك العلوم الإنسانية التي تمسك بمرآة الحقيقة، لتعكس للمجتمع صورته الحقيقية، بكل تشوهاتها وتناقضاتها. إن السوسيولوجيين المغاربة، أولئك الذين يفهمون تعقيدات المجتمع من الداخل، الذين يقرأون تحولاته بمناهج علمية صارمة، هم الأقدر على مقاربة هذه الظاهرة، على تشريحها وتفكيكها، على كشف آليات إعادة إنتاج النخب، على رصد كيف تتحول الأحزاب إلى شركات عائلية، وكيف تصبح السياسة مهنة لطبقة محدودة، وكيف يختفي المضمون ليحل محله الشكل، وكيف تتبخر القيم لتحل محلها المصالح الآنية. إنهم يستطيعون الإجابة عن الأسئلة الكبرى: كيف تحول الحزب السياسي من مدرسة للمواطنة إلى مجرد آلة لانتخاب النخب، وأيّ نخب؟ كيف أصبح الانتماء الحزبي مجرد بطاقة عبور نحو المناصب، وليس التزاماً بقيم وأفكار؟ ولماذا أصبحت البرامج الانتخابية مجرد واجهات براقة لمشاريع شخصية؟
إن الفضاء العام المغربي، كما نعرفه اليوم، لم يعد يتحمل المزيد من هذا العبث. إنه فضاء يتآكل يوماً بعد يوم، تفقده الثقة، وتتلاشى فيه المصداقية، وتصبح المشاركة السياسية فيه مجرد طقس لا معنى له. المواطن الذي كان يحلم بدولة القانون والمؤسسات، بالعدالة الاجتماعية والكرامة، يجد نفسه اليوم أمام واقع مرير: سياسة الاستهلاك، حيث الأحزاب مجرد علامات تجارية، والناخبون مجرد زبائن، والانتخابات مجرد موسم تسويقي. إنه يشعر بأنه يستخدم، وبأن صوته ليس أكثر من ورقة في لعبة كبرى، وأن وعيه السياسي لا يهم أحداً، وأن كل ما يريده السياسيون منه هو أن يذهب إلى صناديق الاقتراع ليمنحهم شرعية زائفة، ثم يعود إلى بيته ليستمر في مواجهة همومه اليومية دون أن يطرق باب المسؤولين أي تغيير حقيقي.
ولعل الأكثر سخرية في هذه المسرحية هو أن السياسيين أنفسهم يدركون هذا اليأس، لكنهم يتعاملون معه كحقيقة ثابتة لا يمكن تغييرها، كأمر واقع لا مفر منه، فيستمرون في لعبتهم المعتادة، متناسين أن استمرار هذا اليأس يعني استمرار تآكل الشرعية، واستمرار الانفصال بين النخبة والجماهير، واستمرار تحول الديمقراطية إلى مجرد إجراء شكلي لا معنى له. إنهم يراهنون على أن المواطن، في النهاية، سيذهب إلى صناديق الاقتراع، ليس اقتناعاً، بل قنوطاً، ليس إيماناً، بل يأساً، ليس رغبة في التغيير، بل خوفاً من الأسوأ. وهذا الرهان، في حد ذاته، هو أشد أنواع الاستهانة بالمواطن، وأكثرها خطورة على مستقبل الحياة السياسية في البلاد.
في العمق، ما يحدث في المغرب ليس فشلاً عابراً، بل هو أزمة نموذج، أزمة تصور للدولة ولدور السياسة ولعلاقة النخبة بالجماهير. إنه نموذج يستورد وجوهاً بدلاً من أن ينتج كفاءات، يستورد خطابات بدلاً من أن ينتج برامج، يستورد صراعات بدلاً من أن ينتج حلولاً. وهنا يأتي دور السوسيولوجيين كما قلت، في فضح هذه الآليات، في كشف القناع عن هذا الواقع، في تقديم قراءة موضوعية تمكن المجتمع من فهم ما يجري، وتمكن الفاعلين السياسيين من مراجعة ممارساتهم، وتمكن المواطنين من استعادة بعض الثقة المفقودة. ولكن السؤال الأعمق: هل هذا اليأس نهائي؟ هل سيبقى المواطن المغربي أسير هذا الواقع؟ أم أن هناك أفقاً آخر؟ الإجابة تحتاج إلى وقفة جادة، إلى شجاعة في الاعتراف، إلى إرادة في الإصلاح، ولكن قبل كل شيء، إلى وعي جديد، وعي لا يكتفي بالنقد، بل يبحث عن البدائل، وعي لا يستسلم للواقع، بل يحاول تغييره، وعي يدرك أن السياسة ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة، وأن الوطن ليس مجرد ساحة لحصد المقاعد، بل هو مسؤولية أمام الأجيال القادمة.
نعم، أيها السادة، تبقى السياسة المغربية بحاجة إلى وقفة جادة مع نفسها، إلى مراجعة حقيقية لممارساتها، وإلى إعادة بناء علاقتها بالمواطنين على أسس من الشفافية والمشاركة والمساءلة. ليست السياسة لعبة تمرير كرة بين اللاعبين، ولا سوقاً للمزايدات، بل مسؤولية تاريخية تتطلب الرصانة والجدية، وتستوجب أن تكون المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن تكون البرامج أنضج من الشعارات. وإلا فسيبقى المغرب يتأرجح بين ملاعب كرة القدم وممرات البرلمان، دون أن يعرف أيهما أكثر حقيقة وأيهما مجرد استعراض، دون أن يعرف أين ينتهي عهد المدرجات وأين يبدأ عهد المسؤولية الحقيقية. فالسياسة لا تدار بمنطق المدرجات، ولا بمنطق الانتصارات الرمزية، ولا بمنطق “المنقذ” الذي يأتي من خارج المؤسسات لينقذها من نفسها، إنها مجال لتدبير المصالح العامة، وميدان للمساءلة اليومية، واختبار دائم لقدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات المواطنين. فهل آن الأوان لعودة الأحزاب إلى جوهرها، أم أننا سنظل ننتظر “ميسي” آخر ينقذنا من أنفسنا؟ وهل آن الأوان للسوسيولوجيا المغربية أن تقدم قراءة جريئة لهذا الواقع، قراءة تكشف الأسباب وتقترح الحلول، قراءة تضع النخبة السياسية أمام مسؤولياتها، وتعيد للمواطن المغربي ثقته في أن السياسة يمكن أن تكون أداة للتغيير وليس مجرد وسيلة للبقاء في المناصب؟ الأمل يبقى معقوداً على قدرة المجتمع المغربي على تجاوز هذه المحنة، على استعادة الثقة في السياسة، على إعادة بناء علاقة جديدة بين المواطن والدولة، على إنتاج نخبة سياسية حقيقية، نخبة تؤمن بالمشروع قبل المنصب، وبالبرنامج قبل المقعد، وبالوطن قبل المصالح الشخصية ..وفي ذلك فليتنافس المتنافسون…









