أنس الشريف… حين تُغتال الكلمة وتُصلب العدسة على أسوار غزة العزّة..

admin
2025-08-12T21:12:13+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin12 أغسطس 2025آخر تحديث : منذ 7 أشهر
 أنس الشريف… حين تُغتال الكلمة وتُصلب العدسة على أسوار غزة العزّة..
  • مصطفى قشنني

في غزة، لا تموت الأرواح، بل تُخلّد في الركام. لا تُدفن الأجساد، بل تُزرع في الذاكرة. لا تُطفأ الكاميرات، بل تُحوّل إلى شواهد على زمنٍ يكره الضوء ويخاف الحقيقة.

أنس الشريف، لم يكن صحافيًا عاديًا. كان صوتًا مزمجرًا في زمن الخرس، وكان عدسةً تقاوم القصف، وكان ميكروفونًا يصرخ في وجه الصمت العربي. لم يكن يروي الخبر، بل كان يعيشه، يتنفسه، ينزف منه. كان يغطّي المجازر لا من خلف الزجاج، بل من قلب الجثث، من بين الأنقاض، من تحت الغبار الذي لا يهدأ.

كنتَ هناك، يا أنس، حين اختلطت المهنة بالدم، والرسالة بالوجع، والضمير بالرصاص. كنتَ هناك، حين كانت غزة تُحاصر بالكاميرات المطفأة، وكان صوتك وحده يخرق الجدار، يفضح، يُشهّر، يُدين. كنتَ هناك، حين كانت الصورة تُقاوم، وحين كانت الكلمة تُقاتل، وحين كانت الحقيقة تُدفع ثمنًا باهظًا.

أتذكر بحّة صوتك، تلك التي كانت تُشبه نحيبًا مكتومًا، حين كنتَ تُحرك الأجساد التي نخرتها آلة البطش الصهيونية، وتلك التي فتك بها الجوع، والخذلان، والخذلان مرة أخرى. أتذكر كيف كانت مهنيتك تختلط بإنسانيتك، فتنتحب، وتُكابر، وتُكمل التغطية وكأنك تُقاوم بالميكروفون، وكأنك تُقاتل بالعدسة، وكأنك تُحارب بالصرخة.

وحين وصل خبر تصفيتك، لم يكن الخبر خبرًا، بل كان صفعةً على وجه الصحافة، وكان خنجرًا في خاصرة الحقيقة، وكان إعلانًا رسميًا بأن من يُصرّ على أن يرى، يجب أن يُطفأ. لم يكن اغتيالك اغتيالًا لشخص، بل اغتيالًا لفكرة، لرسالة، لضميرٍ كان يُزعجهم أكثر من القذيفة.

أعتذر لك، يا أنس، لأننا لم نحميك. لأننا تركناك تواجه آلة القتل وحدك، بالكلمة، بالصورة، بالصوت. أعتذر لأننا لم نصرخ بما يكفي، لم نكتب بما يكفي، لم نفضح بما يكفي. أعتذر لأننا، في لحظةٍ ما، صدقنا أن الصحافة قد تُغيّر، وقد تُنقذ، وقد تُحصّن. لكنهم أثبتوا أن الصحافي في غزة ليس ناقلًا للخبر، بل هو الخبر، هو الهدف، هو الشاهد الذي يجب أن يُغتال.

أعتذر لأننا نعيش في عالمٍ يُكافئ الصمت، ويُعاقب الجرأة، ويُكرّم الحياد، ويُغتال الموقف. أعتذر لأننا نكتب الآن عنك، لا إليك. لأننا نرثيك، لا نُراسلك. لأننا نُبكيك، لا نُحييك.

لكنهم أخطأوا، يا أنس. لأنك لم تُغتل، بل تحوّلت إلى أيقونة وأسطورة. تحوّلت إلى ضوءٍ لا يُطفأ، إلى صوتٍ لا يُسكت، إلى عدسةٍ لا تُكسر. أنت الآن في كل صورةٍ تُلتقط في غزة، في كل تقريرٍ يُبث من هناك، في كل شهقةٍ تُطلقها أمٌ فقدت طفلها، في كل صرخةٍ يُطلقها طفلٌ فقد أمه، في كل حجرٍ يُرفع في وجه الطغيان.

نم قرير العين، يا زميلي، فالكاميرا التي حملتها لم تُطفأ، بل انتقلت من يدك إلى يد كل من قرر أن يُكمل الطريق، أن يُكمل التغطية، أن يُكمل المقاومة.

نم قرير العين، فغزة لا تنسى، والصحافة لا تموت، والحق لا يُغتال ..فلا نامت أعين الجبناء…

 - رسبريس - Respress
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات تعليقان

  • فاطمةفاطمة

    نم قرير العين يا انس فانت لم تمت بل اصبحت فلسطين كلها

  • PaixPaix

    Sous le grondement aveugle des armes ,sous le fracas des bombes et sous la pluie abondante du feu , que le mo nde a perdu un témoin o bstiné de la vérité,
    Il s agit de ANAS JAMAL ECHERRIF, tué pour avoir montré la vérité, la vérité qui a ébranlé l ennemi et et le fait vaciller.!!!
    Ils ont cru éteindre un homme mais c’est une flamme qu ils ont libéré e!!
    Chaque phrase dans votre grand article cher journaliste ŕésonnait comme un battement de cœur brisé et mes larmes sont venues portées par la force de votre écriture.

    Allah yarhamhak grand et très grand journaliste!!!!