الإنسان.. الكائن الذي حوّل المرحاض إلى كنز وضميره إلى عفن..

admin
مقالات رئيس التحرير
admin5 ديسمبر 2025آخر تحديث : منذ 3 أشهر
الإنسان.. الكائن الذي حوّل المرحاض إلى كنز وضميره إلى عفن..

مصطفى قشنني

في زمنٍ العبث والتناقضات الكبرى، قرّر الإنسان أن يثبت للعالم أنه قادر على تحويل أي شيء إلى ذهب، بل إلى ذهب فعلي، لا مجاز فيه. لم يعد الذهب يُسكب في قوالب السبائك أو يُرصّع به التاج الملكي، بل صار يُصبّ في قوالب أكثر “حيوية”: مرحاض! أجل، مرحاض من الذهب الخالص، عيار 18، يزن أكثر من 200 رطل، وكأننا أمام كنز فرعوني لا مرحاض عصري. لكن لا تفرح كثيرًا، فهذا المرحاض ليس لك، ولا لي، ولا لأي شخص يعاني من إمساك مزمن، بل هو مخصّص فقط لمن يملك 12.1 مليون دولار وجرأة كافية ليقول: “لقد اشتريت مرحاضًا أغلى من عمري”.”

الفنان الإيطالي موريزيو كاتيلان، الذي يبدو أنه استيقظ ذات صباح وقال: “ما رأيكم أن أضع الحضارة الغربية في مكانها الطبيعي؟”، قرر أن يصنع عملاً فنيًا باسم “أمريكا”، لا يجسّد الحرية أو الديمقراطية أو حتى الهامبرغر، بل يجسّد… المرحاض. وكأن لسان حاله يقول: “ها هي أمريكا، حيث كل شيء يلمع، حتى المراحيض”. عمل فني يمكن تلخيصه بجملة واحدة: “الذهب لا يطهّر القذارة، لكنه يجعلها تلمع”.

لكن مهلاً، لم يتوقف الجنون عند الصنع، بل امتد إلى البيع. دار سوثبي، التي تحولت من مكان لبيع التحف إلى سيرك فاخر، عرضت المرحاض الذهبي في مزاد علني. وكان السؤال: من يشتري مرحاضًا بهذا السعر؟ الجواب: شركة “ريبليز”

التي يبدو أن شعارها ليس مجرد اسم، بل خطة عمل. فبعد أن جمعوا قلعة من أعواد الثقاب ولوحة لأينشتاين من الخبز المحمص، قرروا أن المرحاض الذهبي هو القطعة الناقصة في متحفهم. منطق سليم، أليس كذلك؟ لأن لا شيء يكمل عبقرية أينشتاين مثل مرحاض يمكن أن تعكس فيه وجهك وأنت تتأمل عبثية الوجود.

ولأن الفن لا يكتمل إلا بالتفاعل، قرّر المتحف أن يضع المرحاض في حمام حقيقي، لكن دون السماح باستخدامه. تخيّل أن تقف في طابور طويل، فقط لتلقي نظرة على مرحاض لا يمكنك الجلوس عليه. إنه مثل أن تشتري بيتزا فاخرة وتُمنع من أكلها، أو أن تشتري سيارة فيراري وتُمنع من قيادتها. الفن هنا لا يُستهلك، بل يُبجّل، يُعبد، يُنظر إليه كما يُنظر إلى تمثال بوذا، مع فارق بسيط: هذا التمثال قابل للغسل.

لكن لا تظن أن هذا المرحاض هو ذروة العبث، فكاتيلان لديه سجل حافل. في عام 2016، باع تمثالًا لهتلر راكعًا بـ17.2 مليون دولار، وكأن العالم قال: “نعم، نحتاج إلى ديكور نازي في غرفة المعيشة”. ثم جاءت الموزة، تلك الموزة التي التصقت بشريط لاصق على الحائط، وبيعت بـ6.2 مليون دولار، قبل أن يأكلها أحدهم في مؤتمر صحفي، في لحظة عبقرية جمعت بين فن الأداء وسكرات الجوع. وهكذا، أصبح الفن شيئًا يمكنك أكله، أو الجلوس عليه، أو التحديق فيه حتى تصاب بالإمساك الوجودي.

لكن لنتوقف لحظة. ما الذي يدفع إنسانًا عاقلًا (نفترض ذلك) إلى إنفاق ملايين الدولارات على مرحاض؟ هل هو حب للفن؟ أم رغبة في التميّز؟ أم أن المال حين يتجاوز حدًا معينًا يتحوّل إلى مرض جلدي يُسبب الحكة في الجيوب؟ ربما كل ما سبق. وربما نحن أمام طقوس جديدة، حيث يُغسل الضمير في مياه الذهب، وتُطهّر النفس من ذنوبها عبر الجلوس على عرش من المعدن النفيس. إنه الدين الجديد: عبادة اللامع، تقديس العبث، والتصفيق لكل من يضع شريطًا لاصقًا على ثمرة فاكهة.

والمفارقة أن هذا المرحاض، الذي صُنع من الذهب، لم يُستخدم لقضاء الحاجة، بل لقضاء الوقت في التأمّل. وكأننا أمام تمثال بوذا جديد، لكن بغطاء مقعد. الزوار يأتون، يلتقطون الصور، يهمسون بإعجاب، ثم يغادرون وهم يشعرون أنهم اقتربوا من جوهر الفن. لكن أي فن هذا الذي لا يُلمس؟ أي فن هذا الذي يُباع بالملايين ويُمنع استخدامه؟ إنه فن النخبة، فن الأثرياء، فن من لا يعرفون ماذا يفعلون بأموالهم، فيقرّرون أن يشتروا المرحاض الذي لن يستخدموه، فقط ليقولوا: “نحن نملك ما لا يُستخدم.”

وفي عالمٍ يموت فيه الملايين بسبب نقص المياه النظيفة، ويقضي فيه الأطفال حاجتهم في العراء، يأتي هذا المرحاض ليُذكرنا بأن الأولويات البشرية قد انقلبت رأسًا على عقب. فبينما يحلم البعض بمرحاض نظيف، يحلم آخرون بمرحاض ذهبي. وبينما يُستخدم الذهب في بعض الدول لصنع أطقم أسنان أو خواتم زواج، يُستخدم في دول أخرى لصنع مراحيض تُعرض في المتاحف. إنه التناقض البشري في أبهى صوره: نُقدّس ما لا نحتاجه، ونتجاهل ما هو ضروري.

لكن لا تظن أن هذا الجنون سيقف عند هذا الحد. فبعد المرحاض والموزة، من يدري؟ ربما نرى قريبًا قطعة فنية عبارة عن جورب متسخ في صندوق زجاجي، أو علكة ملتصقة على لوحة بيكاسو، أو حتى سلة مهملات بعنوان “الذاكرة الجماعية”. الفن لم يعد يُقاس بالجمال أو الرسالة، بل بالدهشة، بالصدمة، وبعدد الصور التي يمكن نشرها على إنستغرام. لقد أصبح الفن مرآة لجنوننا، لفراغنا، لرغبتنا في أن نكون مميزين بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو المنطق نفسه.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.