الزيارة التي قلبت الطاولة: من الجولاني إلى الشرع، ومن المطلوب إلى المستقبَل في البيت الأبيض..

admin
مقالات رئيس التحرير
admin12 نوفمبر 2025آخر تحديث : منذ 4 أشهر
الزيارة التي قلبت الطاولة: من الجولاني إلى الشرع، ومن المطلوب إلى المستقبَل في البيت الأبيض..
  • مصطفى قشنني

في لحظةٍ من لحظات الجنون السياسي، حين تتقاطع المصالح وتذوب المبادئ في كأس من الواقعية القاسية، استقبل البيت الأبيض أحمد الشرع، الرئيس السوري الجديد، استقبال الملوك، بعد أن كان اسمه يتصدر قوائم الإرهاب، وتُرصد له الجوائز كما تُرصد للوحوش الهاربة من العدالة. لم يكن هذا الحدث مجرد لقاء دبلوماسي، بل كان زلزالًا في جغرافيا التحالفات، وانقلابًا في خرائط الولاء، وصرخةً مدوية في وجه كل من ظن أن التاريخ يسير بخط مستقيم.

من أميرٍ لتنظيم جهادي إلى رئيسٍ تُفرش له السجادة الحمراء في واشنطن، لم يكن التحول وليد الصدفة، بل كان ثمرة صفقةٍ معقدة، نسجتها خيوط السياسة الأمريكية التي لا تعرف إلا لغة المصالح. الشرع، الذي كان يُلاحق كأخطر المطلوبين، أصبح فجأة شريكًا في محاربة الإرهاب، وكأنما الإرهاب نفسه قرر أن يغيّر تعريفه، أو أن أمريكا قررت أن تعيد رسم ملامحه بما يناسب أجندتها

البيت الأبيض، الذي كان يومًا رمزًا لمحاربة التطرف، فتح أبوابه لرجلٍ كانت صورته تُزين ملصقات المطلوبين عالميا، لا لأنه تاب، بل لأنه أصبح مفيدًا. فحين يتعلق الأمر بأمن إسرائيل، تنقلب السياسة الأمريكية رأسًا على عقب، وتُغسل الأيدي الملطخة بالدماء بماء المصالح، وتُعاد صياغة التحالفات كما يُعاد تشكيل الطين في يد النحات.

الزيارة لم تكن بريئة، ولم تكن مجرد خطوة نحو السلام، بل كانت إعلانًا صريحًا عن بداية مرحلة جديدة، تُرسم فيها حدود الشرق الأوسط بأقلام أمريكية، وتُحدد فيها ملامح الحكم في دمشق من خلف الستار. الشرع لم يأتِ ليطلب، بل ليُسلّم، ليوقّع على اتفاقيات تُعيد سوريا إلى بيت الطاعة، وتُدخلها في منظومة أبراهام، وتُلزمها بالتحالف مع من كانت تعتبرهم أعداء الأمس.

الشروط الأمريكية كانت واضحة، صارمة، لا تقبل النقاش: ضمان أمن إسرائيل، قطع العلاقات مع إيران، تدمير ما تبقى من الأسلحة الكيميائية، البحث عن الأمريكيين المفقودين، ومنع الأجانب من تولي المناصب القيادية. إنها ليست مطالب، بل أوامر، تُلقى على طاولة الشرع كما تُلقى أوراق اللعب في يد مقامر يعرف أن الخسارة ممنوعة.

لكن العجيب حقًا، ليس في الشروط، بل في قبولها. كيف لرجلٍ قاد تنظيمًا جهاديًا أن يتحول إلى حليف لأمريكا في محاربة تنظيمٍ جهادي آخر؟ كيف لمن كان يرفع راية “لا إله إلا الله” في وجه الغرب، أن يصبح شريكًا في تحالف تقوده واشنطن ضد تنظيمات جهادية مناوئة لمصالحها؟ إنها السياسة حين تتحول إلى مسرح عبثي، تُؤدى فيه الأدوار بلا منطق، وتُصفق فيه الجماهير وهي لا تدري هل تشاهد مأساة أم ملهاة.

المنطقة تعيش لحظة مفصلية، وسوريا تقف على مفترق طرق، بين ماضٍ دموي ومستقبلٍ مرسوم بأقلام الآخرين. أمريكا لا تقدم شيئًا بالمجان، وسوريا ليست سوى ورقة في لعبة شطرنج، تُحرّك حين تشاء، وتُضحّى بها حين تقتضي الضرورة. أما الشرع، فهو الملك الجديد، لكنه ملكٌ بلا تاج، يحكم أرضًا مثقلة بالشروط، ومكبّلة بالتحالفات، ومراقبة من كل الجهات.

اللقاء في البيت الأبيض لم يكن تتويجًا لانتصار، بل كان بدايةً لتنازل، بدايةً لمرحلة تُعاد فيها كتابة التاريخ السوري، لا بالحبر، بل بالدم، لا بالإرادة، بل بالإملاء. الشرع جلس على الكرسي، لكنه جلس فوق ركام المبادئ، فوق جثث الشهداء، فوق صرخات من كانوا يؤمنون أن الجهاد لا يُباع، وأن الكرامة لا تُشترى.

لكن السياسة لا تعرف الكرامة، ولا تؤمن بالشهداء، بل تؤمن بالصفقات، بالمصالح، بالتحالفات. والشرع، الذي كان يومًا رمزًا للمواجهة، أصبح اليوم رمزًا للتطبيع، للتنازل، للانحناء أمام العاصفة. أما أمريكا، فهي تضحك في سرّها، لأنها نجحت مرة أخرى في تحويل العدو إلى حليف، والمطلوب إلى شريك، والجهادي إلى رئيس.

هكذا تُكتب فصول السياسة، وهكذا تُدار الحروب، وهكذا تُصاغ التحالفات. لا صداقات دائمة، ولا عداوات أبدية، بل مصالح تتبدل كما تتبدل الفصول. والشرع، الذي دخل البيت الأبيض من باب الرئاسة، خرج منه محمّلًا بالشروط، مثقلًا بالتنازلات، مدينًا لمن كان يومًا يعتبرهم أعداءً. إنها لعبة السياسة، لعبة الرمال المتحركة، لعبة العروش التي تُبنى على الوهم، وتنهار عند أول نسمة صدق.

وإذا كانت هذه الزيارة قد فتحت أبوابًا جديدة لسوريا، فإنها في الوقت ذاته أغلقت أبوابًا كثيرة أمام الحلم العربي بالاستقلال الحقيقي. فكل خطوة نحو واشنطن هي خطوة بعيدًا عن دمشق، وكل توقيع على اتفاقية جديدة هو تمزيق لصفحات من التاريخ الذي كُتب بالدم. الشرع لم يكن وحده في البيت الأبيض، بل كانت معه أشباح الماضي، وأصوات الضحايا، وصرخات من لا صوت لهم.

وما بين ابتسامات ترامب ووعود الشرع، كانت الحقيقة تُدفن تحت طبقات من المجاز، وكانت السيادة تُباع في مزادٍ لا يحضره إلا الأقوياء. أما الشعب السوري، فهو الغائب الأكبر، يُطلب منه أن يصفق، أن ينسى، أن يبارك التحول، وكأن ذاكرته لا تحتفظ بصور القصف، ولا بأسماء الشهداء، ولا بأصوات الجهاديين الذين كانوا بالأمس يرفعون راية القتال ضد أمريكا، واليوم يوقعون معها اتفاقيات أمنية

إنها السياسة حين تتحول إلى مسرح، والدماء إلى مشهد، والمبادئ إلى ديكور. والشرع في البيت الأبيض، صورة تختصر كل شيء: كيف يُعاد تشكيل الشرق الأوسط، كيف تُغسل الأيدي الملطخة، كيف يُعاد تدوير الزعماء، وكيف تتحول أمريكا من خصم إلى حليف، ومن مطارد إلى مستضيف. إنها لحظة تاريخية، لكنها أيضًا لحظة خيانة، لحظة بيع، لحظة سقوط أخلاقي، ستنهار على صخرة الواقع الصّلدة، عند أول نسمة صدق وتجلّ  للحقيقة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.