- مصطفى قشنني
نعم، لقد نجحنا! نجحنا بكل معنى الكلمة في تحويل نصر تنظيمي باهر، أشاد به القاصي والداني، إلى هزيمة دبلوماسية وإعلامية مُرّة كعلقم الصبر. لقد حوّلنا فرحة احتضان القارة السمراء إلى ما يشبه حفل عزاء جماعي، ليس لأننا خسرنا مباراة كرة – فالخسارة والربح من طقوس اللعبة – ولكن لأننا خسرنا الرأس، وفقدنا البوصلة، وتركنا سفينتنا الإعلامية تتخبط في عاصفة من سذاجة القيادة وعشوائية الأداء، بينما نحتفل على سطحها بجائزة “أفضل تنظيم”.
لنكن واضحين: المشكلة ليست في هُتافات جماهير معادية، ولا في تصريحات مدربٍ مأجورٍ مكلّف بتخريب الفرحة ( وترييب الخيمة). هذه أشياء متوقعة في عالم الكرة-السياسة. المشكلة الحقيقية، الكارثة التي تفوق خسارة أي لقب، هي أن دولة استطاعت بناء ملاعب فاخرة وتنظيم حركة المرور وإطعام الآلاف وتأمين الملايين، عجزت عن بناء جملة إعلامية واحدة متماسكة للدفاع عن نفسها. لقد كشف “الكان” عن أننا نمتلك أقوى “جيش صامت” في المنطقة: إعلام رسمي كلف المليارات، لكن صوته أخفت من همس راقصة في حفلة صاخبة! تصوّر أنك تبني قصوراً من الرخام وتنسى أن تضع فيها أبواباً أو نوافذ. هذا بالضبط ما حدث. لقد أنفقنا الملايير ليكون صوتنا موجوداً، فإذا بنا نكتشف، في لحظة الحقيقة، أن الميكروفونات معطلة، والمذيعون يتلعثمون، والمحررون يبحثون عن صيغة “لا نزعج ولا نستفز” بينما الآخرون يرشقوننا بالطوب والشرر على مرأى ومسمع من العالم.
لقد تركنا الساحة، بسذاجة تصل إلى درجة الفكاهة السوداء، للمؤثرين. نعم، أولئك الذين قد يكون تأثيرهم الوحيد المؤكد هو زيادة عدد “اللايكات” أو بيع منتج تجاري. أصبح مصير صورتنا الدولية، وعلاقاتنا الإقليمية، رهيناً ببث مباشر هنا، وتغريدة حارقة هناك، ورد فعل عاطفي قد يخلط الوطنية بالانفعال الأجوف. في حين كانت المهمة الأساسية لإعلام دولة، يفترض أنه جاد، أن يتحول إلى “غرفة عمليات” ذكية، تفكّك خطاب الكراهية، وتظهر الوقائع، وتسرد قصص النجاح، وتبين من يقف وراء حملات التشويه، وتواجه بلاطوهات الدول “الحسودة” (نعم، دعونا نسمي الأشياء بمسمياتها هذه المرة) ببرود المحترف وحدّة الواثق. ولكن، بدلاً من ذلك، وجدنا أنفسنا في حالة رد فعل دائم، وكأننا فرقة مسرحية هزلية تنتظر أن يرمي لها الجمهور حبة طماطم كي ترد بأغنية وطنية متكلفة!
والكارثة الأكبر ليست فقط في الصوت الخافت، بل في التشوه الداخلي. كيف لشعب أن يرى نفسه إلا من خلال عيون غيره، وغالباً ما تكون عيونٌ لا تريد له الخير؟ لقد سمحنا، بسياسة “إعطيهم النخال” – وهي سياسة لو طبقت على قطيع من الغنم لتمرد – بخلق فجوة بين المواطن وصورته. فأصبح المواطن المغربي يقرأ عن بلده في منصات أجنبية، أو يستمع إلى محللين عرب و غربيين، أو يتابع مؤثراً محلياً يشرح له “ما حدث حقاً”، وكأننا أمة تحت الوصاية، عاجزة عن إنتاج خطابها الخاص عن ذاتها. لقد حوّلنا المواطن إلى مترجم فوري لخطاب الآخرين، بدلاً من أن نجعله ناطقاً رسمياً بخطابنا.
وما يزيد المأساة طعماً كوميدياً مراً هو الوضع المزري للجندي المجهول في هذه المعركة الضائعة: الصحفي. تخيّلوا معي: في خضم معركة صورية شرسة، تكتشف أن جزءاً كبيراً من “جنودك” – قرابة أربعة آلاف صحفي – هم في الواقع… “منتحلو صفة”! يعيشون خارج الاعتبار المهني، في حالة “حص بيص من أمرهم” – وهي كلمة عربية فصيحة تعني الفوضى العارمة والضياع التام. أي سيناريو سوريالي هذا ( وهذا الرقم من الصحافيين المهنيين لا يتوفرون لحدّ الآن على البطاقة المهنية لسنة 2026)؟ نعم، دولة تنفق الملايير على البنى التحتية الإعلامية، وتترك الجسد الصحفي الأساسي يتشرد في العراء، بلا حماية قانونية، بلا استقرار، بلا كرامة. ثم نتوقع بعد ذلك أن ينتج هذا الجسد المشرد المضطهد خطاباً منيعاً قوياً وطنياً؟ هذا كما لو أنك تطلب من جائع أن يلعب مباراة في كمال الأجسام ويحصد الميدالية الذهبية! العبث وصل درجة أن المهنة نفسها تسير بلا دفة، والقوانين تُفرض فرضاً، والنتيجة: صمت مطبق هنا، وزعيق عشوائي هناك.
لذا، أيها السادة القائمون على الأمر، لقد فهمنا الدرس: نحن رواد في بناء الملاعب، أبطال في تنظيم المواعيد، عباقرة في إطفاء الحرائق الدبلوماسية بعد اشتعالها، لكننا مقصرون – بل فاشلون – في شيء واحد: أن نبني القصة و لا نرويها. نستطيع أن نصنع الحدث، ولكننا نعجز عن امتلاك سرديته. نستضيف العالم، ثم نترك للغير مهمة تفسير لماذا استضفناه وكيف كانت تجربته.
إن العيب ليس في أن بعض الدول تحسدنا وتحاول تشويهنا؛ هذا دليل على أننا نفعل شيئاً صحيحاً. العيب الحقيقي، المهين، الساخر، هو أننا نمتلك كل مقومات الرد، كل أسباب القوة، كل أوراق الضغط الإعلامي والسياسي، لكننا نختار أن نلعب دور الضحية المستغيثة، ثم ننتظر من “المؤثرين” أن يأتوا بمعجزة. ومعظم هؤلاء المؤثرين، مع احترامنا لمحاولات بعضهم، لا يستطيعون التأثير حتى في ترتيب غرف نومهم، فكيف نطلب منهم ترتيب صورة دولة معقدة في خريطة إعلام عالمي شرس؟.
نعم، لقد فضح حدث رياضي، في بضعة أسابيع، وهن بنية كاملة. لقد بين أننا نستثمر في الصورة الصلبة: الملاعب، الفنادق، البنى التحتية. ولكننا نهمل، بإصرار غريب، الصورة الناعمة: الخطاب، السردية، العقل الجمعي الموحد. نصنع الحدث العظيم ثم نسلّم مفاتيح تفسيره لأعدائنا وللغرباء. ننتج الواقع ثم نستعير عدسات الآخرين لنرى أنفسنا من خلالها. إنها أزمة هوية قبل أن تكون أزمة إعلام. إنها خوف من امتلاك الرواية الخاصة بنا، ورغبة مرهقة في أن يصفنا الآخرون بأننا “جيدون”، حتى لو كان ثمن ذلك أن نصمت عن حقوقنا وكرامتنا.
الدرس ليس في أننا “لم نتقدم بعد”. الدرس الأعمق والأقسى هو أننا تقدمنا بشكل ملتوٍ، أحادي الجانب. بنينا جسماً قوياً وتركناه بلا صوت. وصنعنا نجاحاً مادياً مذهلاً واخترنا أن نحكيه بلسان غير لساننا. – كما قُلت -إنها لعبـة خاسرة بامتياز. فالأمم لا تُذكر فقط بما بنته، بل بما قالته عما بنته، وبما دافعت به عن ذلك البناء عندما حاولوا تحطيمه. والآن، والسؤال الذي يصرخ في الفراغ: متى سنتوقف عن كوننا أمة “تنجز” ثم “تنتظر” رد فعل العالم؟ متى سنتحول من لاعب في الملعب إلى صاحب الرواية الحصرية للقصة؟ الجواب لن يأتي من مؤثر، ولا من منشور. الجواب قرار وجودي: إما أن نجد صوتنا، أو أن نستعد لأن نكون إلى الأبد مجرد ديكور صامت في صورة يلتقطها، ويفسرها، ويشوهها من يشاء. الكرة مرت، وانتهت المباراة. لكن مباراة الوجود، مباركة الصوت والصورة، فهذه لا تنتهي، والخسارة فيها تعني، ببساطة، الاختفاء.






