المستنقع الأمريكي في الشرق الأوسط.. قراءة في خطأ الانسياق وراء الربيبة إسرائيل..

admin
مقالات رئيس التحرير
admin21 مارس 2026آخر تحديث : منذ 3 أشهر
المستنقع الأمريكي في الشرق الأوسط.. قراءة في خطأ الانسياق وراء الربيبة إسرائيل..
  • مصطفى قشنني

إن ما يعيشه الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد صراع عابر على حدود أو نفوذ، بل هو مشهد فلسفي بامتياز يكشف عن أزمة عميقة في جوهر القوة الأمريكية نفسها. فحين ننظر إلى واشنطن وهي تلهث خلف مشروع إسرائيلي ضيق الأفق، قصير النظر، لا نرى أمامنا قوة عظمى تمارس دورها التاريخي في ضبط توازنات العالم، بل نرى إمبراطورية فقدت بوصلتها، وغرقت في مستنقع صنعته بيدها حين آثرت أن تكون أداة في يد ربيبتها المدللة بدلاً من أن تكون حكماً يزن الأمور بميزان العقل والمصلحة البعيدة. الكاتب الأمريكي توماس فريدمان، بكل وجاهته التحليلية، يبقى أسير النظرة الأمريكية التي ترى المنطقة من زاوية الهيمنة العسكرية والسياسية، لكن الأدهى من ذلك أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بهذه النظرة القاصرة، بل انساقت وراء رؤية أكثر قصوراً، رؤية إسرائيلية تظن أن التاريخ يمكن أن يُعاد تشكيله وتدويره بالاغتيالات والقصف، وأن الشعوب يمكن أن تموت مراراً إذا ما قُتل قادتها بما فيه الكفاية.

هنا تكمن المفارقة المأساوية التي تعجز الفلسفة السياسية عن تفسيرها إلا بوصفها انتحاراً بطيئاً للإرادة الإمبراطورية: أمريكا، وهي القوة الأعظم في تاريخ البشرية، تتبنى منطق كيان يكافح من أجل البقاء في محيط معادٍ، وكأنها هي أيضاً تعيش ذات الهاجس، وكأنها فقدت القدرة على التفكير بوصفها قوة عالمية مسؤولة عن استقرار النظام الدولي. لقد أخطأت أمريكا خطأ وجودياً حين صدّقت أن القوة العسكرية وحدها كافية لتغيير مسار التاريخ، وأن تدمير إيران أو اغتيال قادة حماس وحزب الله وإيران والحوثي ووو سيؤدي إلى نهاية الصراعات. هذا الوهم هو ذاته الذي غذته إسرائيل بعناية فائقة لعقود، إذ نجحت في إقناع واشنطن أن الحل يكمن في الضربات الجوية والاغتيالات والاحتلالات الجزئية، بينما الواقع الذي لا يرحم يثبت عكس ذلك تماماً: كل قائد يُقتل يخلفه آخر أكثر شراسة و تشبثاً بالمشروع، وكل حركة تُقمع تنبثق من رحم المجتمع من جديد متّشحة بهالة الشهادة، وكل دولة تُحاصر تزداد تصلباً في هويتها حتى تصبح منيعة على أي اختراق.

إن الفلسفة السياسية تعلمنا أن الصراع لا يُمحى بالقوة، بل يُدار بالسياسة، وأن محاولة إلغاء الآخر لا تؤدي إلا إلى إعادة إنتاجه في صورة أكثر عناداً وخطورة. لكن الولايات المتحدة، تحت تأثير إسرائيل، اختارت أن تحط من كرامة خصومها، أن تجرّدهم من أي أفق سياسي، أن تدفعهم إلى زاوية اللاخيار حيث لا شيء يخسرونه بعد الآن. وهنا يكمن الخطأ الأكثر فداحة في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث: حين يشعر العدو أنه لم يعد يملك شيئاً يخسره، يصبح أكثر استعداداً للتضحية بكل شيء، حتى استقرار المنطقة والعالم. إن إيران “الضعيفة”، كما أشار فريدمان في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز، بنوع من السخرية المريرة، لا تحتاج إلى أكثر من طائرة مسيّرة بدائية لتعطيل إمدادات النفط ورفع أسعار الطاقة عالمياً، وهذا وحده كافٍ ليُسقط أسطورة أن القوة العسكرية المطلقة تكفي لإلغاء تأثير الخصم. بل الأكثر من ذلك، أن القوة المطلقة حين تواجه بالضعف المستضعف، يتحول هذا الضعف إلى سلاح فتاك لا تقاومه جيوش ولا توقفه حدود.

أمريكا اليوم، وهي تلهث وراء أوهام إسرائيل، لم تدرك أنها تدخل في معادلة صفرية لا رابح فيها، معادلة صممت لتكون بلا مخرج. إسرائيل تريد السيطرة الدائمة على الضفة الغربية، وتدمير حزب الله في لبنان، وإضعاف إيران حتى الانهيار، لكنها لا تقدم أي بديل سياسي قابل للحياة، لأن البديل في ثقافتها السياسية ليس موجوداً أصلاً؛ هي تريد الحرب لأن الحرب هي التي تبرر استثناءاتها وتخفي تناقضاتها. وواشنطن، بانسياقها وراء هذه الرؤية، تحكم على نفسها بالبقاء في حالة حرب دائمة مع شعوب المنطقة، ليس مع أنظمتها فقط. هذا هو المستنقع الحقيقي: كلما غاصت أمريكا أكثر، كلما وجدت نفسها مضطرة إلى مزيد من التدخلات، ومزيد من الإنفاق الذي ينزف خزائنها (الغارقة في الديون )، ومزيد من التورط الأخلاقي الذي يفقدها ما تبقى لديها من شرعية في العالم. إن الإمبراطوريات لا تسقط عادة بضربة واحدة، بل تنزف حتى الموت في مستنقعات صنعتها بيديها، وأمريكا اليوم تقدم أروع الأمثلة على هذه الحقيقة.

الفكر الفلسفي النقدي يعيدنا إلى درس قديم لكن أمريكا أصرت على نسيانه: القوة بلا حكمة تتحول إلى عبء، والإمبراطوريات تنهار حين تستنزف نفسها في حروب لا نهاية لها. إن الولايات المتحدة اليوم، وهي تتبع إسرائيل في سياساتها، تكرر خطأ الإمبراطوريات القديمة التي ظنت أن السيطرة العسكرية تكفي لضمان البقاء. لكنها تغفل أن الشرق الأوسط ليس مجرد جغرافيا يمكن احتلالها وتقسيمها، بل هو نسيج من الهويات المتجذرة في أعماق التاريخ، من المجتمعات التي لا تُمحى بالقصف، ومن الأفكار التي لا تُقتل بالاغتيال. حماس، رغم ثلاثة أجيال من الاغتيالات التي استهدفت قادتها تباعاً، ما زالت قائمة، بل خرجت من كل اغتيال أكثر تجذراً في الوعي الفلسطيني. حزب الله، رغم كل محاولات الإضعاف التي استمرت لعقود، ما زال جزءاً من المعادلة اللبنانية، بل جزءاً من نسيج إقليمي لا يمكن فصله إلا بثمن باهظ. وإيران، رغم أقسى عقوبات فرضت على أي دولة في التاريخ الحديث، ما زالت قادرة على التأثير في أسعار النفط العالمية، وكأن العقوبات لم تزدها إلا إصراراً وإبداعاً في الالتفاف عليها. إنها دروس التاريخ التي ترفض أمريكا تعلمها، وكأنها مصابة بعمى استراتيجي متعمد.

الخطأ الأمريكي الأكبر أنه لم يرَ أن إسرائيل، وهي تدفعه إلى هذا المسار، لا تبحث عن حل للصراعات، بل عن إدارة دائمة لها، لأن الصراع الدائم هو الذي يبرر وجودها ككيان عسكري استثنائي في محيطه. أما واشنطن، فبدلاً من أن تفكر بعقلية قوة عظمى مسؤولة عن النظام العالمي، قبلت أن تكون مجرد أداة في يد ربيبتها، وأن تدخل في حرب لا نهاية لها، حرب ستتحول إلى عبء اقتصادي وسياسي وأخلاقي سيلاحقها لعقود قادمة. هذا هو الوحل الذي ستغوص فيه أمريكا أكثر فأكثر: مستنقع من الأزمات المتجددة، حيث لا يوجد ما يسمى “مرة واحدة وإلى الأبد”، بل سلسلة لا تنتهي من الصراعات التي تعيد إنتاج نفسها بانتظام مذهل، وكلما ظن صانع القرار في واشنطن أن النهاية قريبة، وجد أن البداية قد عادت من جديد وبصورة أكثر تعقيداً.

إن النقد الفلسفي العميق لهذا المسار يكشف أن الولايات المتحدة فقدت القدرة على التمييز بين القوة والسلطة، بين السيطرة العسكرية والشرعية السياسية. فهي تظن أن القصف والاغتيال يمنحانها سلطة، بينما هما في الحقيقة يسلبانها الشرعية، ويجعلانها قوة عمياء تتحرك بلا بوصلة، قوة يزداد العالم كراهية لها كلما ازدادت قوة. إن الشعوب في غزة ولبنان وإيران واليمن والعراق وفي باقي البلاد العربية لا ترى في أمريكا قوة تحرير كما تروج دعايتها، بل ترى قوة قمع وإذلال، وهذا الإدراك هو ما سيحول كل تدخل أمريكي إلى وقود جديد للصراع، وكل خطوة أمريكية إلى تعقيد جديد. إن المأساة ليست فقط في الدماء والدمار الذي تخلفه هذه الحروب، بل في أن أمريكا، وهي القوة العظمى التي يفترض أن تمثل ذروة العقل السياسي والاستراتيجي الغربي، اختارت أن تكون أسيرة لرؤية إسرائيلية ضيقة، أن تضع نفسها في مواجهة مفتوحة مع التاريخ والجغرافيا والإنسان. وأي إمبراطورية تضع نفسها في مواجهة الإنسان والجغرافيا والتاريخ، تكون قد وضعت نفسها في مواجهة حتمية مع انهيارها البطيء.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.