- مصطفى قشنني
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تُدار الأمور بالقانون، صار القانون يُدار بالتهريب. لا تهريب عبر الحدود، بل عبر المكاتب الوثيرة، حيث تُصاغ النصوص في غياب المعنيين، وتُمرّر كما تُمرّر السلع المهربة في جوف الليل. وزير هنا يهرّب قانونًا جنائيًا كأنما يُخفي سكينًا في عباءته، وآخر يهرّب قانونًا للصحافة كمن يُخفي قنبلةً صوتية في جيب معطفه، وثالث يفرض قانونًا للتعليم العالي كما يُفرض درسٌ في الطاعة على طلبة لم يُستشاروا في المنهج. كل شيء يُدار من فوق، من علٍ، من برجٍ عاجي لا يرى الأرض إلا حين يضيق صدره من صراخها.
وهبي، وزير العدل، قرر أن يُعيد تشكيل القانون الجنائي كما يُعيد النحات وجه تمثالٍ دون أن يسأل صاحب الوجه. رجال القانون صرخوا، احتجوا، كتبوا، لكن القانون مرّ كما تمرّ الرياح في نفقٍ ضيق، لا تُصغي لأحد. بنسعيد، وزير الاتصال، قرر أن يُهندس المجلس الوطني للصحافة على مقاسه كما يُهندس ديكور استوديو تلفزيوني، لا فرق بين الكاميرا والصحافي، كلاهما يُعاد تشكيله حسب مزاج السلطة. أما الميداوي، وزير التعليم العالي، فقد قرر أن يُنزل القانون 59.24 كما يُنزل المطر في موسم الجفاف، دون أن يسأل الفلاحين إن كانوا قد زرعوا شيئًا أصلًا.
السؤال ليس لماذا يُهرّب القانون، بل لماذا يُدار الوطن كما تُدار شركة خاصة، بقرارات فوقية، ومراسيم تُكتب في رطوبة الظل، وتُعلن في الضوء كأنها وحيٌ لا يُرد. لماذا يغيب الحوار، وتُقصى التوافقات، ويُعامل المعنيون كأنهم ضيوفٌ ثقيلون على مائدة التشريع؟ هل بات صدر السلطة الحكومية ضيقًا إلى هذا الحد، حتى صار الدستور مجرد ديكورٍ يُعلّق في قاعات الندوات، ويُنسى في قاعات القرار؟ هل باتت المقاربة التشاركية مجرد نكتةٍ دستورية تُروى في كتب التربية الوطنية، ولا تُمارس في الواقع إلا حين يُطلب من المواطنين التصفيق؟
كل قانونٍ جديد صار يشبه إعلان حربٍ صغيرة، تُطلق فيه صفارات الإنذار، وتُرفع فيه الرايات السوداء، وتُكتب فيه بيانات الغضب. لا أحد يُصغي، لا أحد يُراجع، لا أحد يُعيد النظر. كل وزير يريد أن يترك بصمته، حتى لو كانت البصمة على وجه الدستور، أو على عنق الديمقراطية. كل مسؤول يريد أن يُثبت أنه الأقوى، الأذكى، الأجرأ، حتى لو كان ذلك على حساب التوازن، على حساب العقل، على حساب الوطن نفسه.
السلطة، في هذا السياق، تُشبه طباخًا مغرورًا، يُقرر أن يُعدّ طبقًا جديدًا دون أن يسأل الضيوف عن حساسيتهم الغذائية. يُضيف التوابل، يُغيّر المكونات، يُقدّم الطبق، ثم يُعاتب من تقيّأه. لا حوار، لا استشارة، لا تفاعل. فقط قرارٌ يُفرض، وردّ فعلٍ يُقمع، وصخبٌ يُدار كما تُدار الضوضاء في حفلةٍ لا يُسمح فيها بالغناء الحر.
هل باتت الدولة تخشى من التوافق؟ هل صار الحوار يُهدّد الأمن العام؟ هل صار إشراك المعنيين في صياغة القوانين يُعتبر ترفًا سياسيًا لا تحتمله المرحلة؟ إن كانت السلطة الحكومية تضيق بالمشاركة، فماذا بقي من الديمقراطية؟ إن كانت تُلوي عنق الدستور، فماذا بقي من الشرعية؟ إن كانت تُدير القوانين كما تُدار الصفقات، فماذا بقي من الوطن؟
التهريب، في هذا السياق، ليس مجرد تمريرٍ خفي، بل هو فلسفة حكم، عقلية إدارة، نمط تفكير. هو الإيمان بأن الشعب لا يفهم، وأن النخب تُزعج، وأن الحوار يُعطّل، وأن التوافق يُربك. هو الإيمان بأن السلطة تعرف كل شيء، وأن الآخرين مجرد تفاصيل. هو الإيمان بأن القانون لا يُصاغ، بل يُفرض، لا يُناقش، بل يُعلن، لا يُبنى، بل يُلقى من علٍ كمنشورٍ دعائي.
لكن يبدو أن السلطة الحكومية في هذا البلد قد استبدلت مفهوم “المقاربة التشاركية” بمقاربة “التسلل التشريعي”، حيث تُمرّر القوانين كما تُمرّر الرسائل السرية في جيوب المعاطف، لا كما تُصاغ في دساتير الشعوب. لم تعد القوانين تُناقش، بل تُنزل كالمطر في موسم الجفاف، دون أن يُسأل الفلاحون إن كانوا قد زرعوا شيئًا أصلًا. صار الوزير أشبه بمنسق حفلة تنكرية، يوزّع الأقنعة على الجميع، ثم يُطالبهم بالتصفيق دون أن يعرفوا من يرقص على المسرح. كل قانون جديد يُشبه قنبلة دخان: يُطلق، يُربك، يُعمي، ثم يُفرض في غفلة من الزمن.
هل ضاقت صدور السلطة الحكومية إلى هذا الحد؟ هل صار الحوار يُعتبر تهديدًا، والنقاش مؤامرة، والتوافق خيانة؟ إن كانت الديمقراطية لا تحتمل صوتًا آخر، فماذا بقي منها؟ إن كان الدستور يُطوى كلما أراد مسؤول أن يُمرّر نزوةً تشريعية، فماذا بقي من شرعية النص؟ إن كانت القوانين تُفرض كما تُفرض الضرائب، وتُعلن كما تُعلن نتائج المباريات، فماذا بقي من الوطن؟
الوطن لا يُدار بالتهريب، ولا تُصاغ قوانينه في الظل. الوطن يُبنى حين يُصغي الفاعل، لا حين يُملي. حين يُحاور، لا حين يُقصي. حين يُشرك، لا حين يُرغم. وما لم تُفتح نوافذ القرار على صوت الناس، فستظل القوانين تُشبه المراسيم العسكرية: صارمة، مفاجئة، ومجردة من الروح. والروح، يا سادة، هي ما يجعل القانون قانونًا، لا مجرد أداة في يد من لا يرى في الوطن سوى مرآة لسلطته.






