- مصطفى قشنني
في مدينة وجدة، أشعر أن الزمن لا يتحرك إلى الأمام، بل ينكمش داخل حافلة صدئة، تهتز تحت وطأة أرواح يائسة، وأجساد حشرت عنوة بين المقعد المهترئ والنافذة التي لا تُغلق. هنا، النقل ليس خدمة عمومية، بل فخ يومي، نُمارس فيه الحظ أكثر مما نمارس التنقل. فالوجدي لم يعد يسأل متى تصل الحافلة، بل يتساءل ما إذا كانت ستصل أصلاً، وهل سيخرج منها بكامل أطرافه وحواسه.
شركة موبيليس التي تكفّلت بهذا العبء، اختارت أن تُعيد تعريف مفاهيم الفشل، ورفعتها إلى مرتبة الإنجاز المُمَول. حافلاتها تُشبه بقايا حرب ميكانيكية، تسير في الشوارع ليس بفعل المحركات، بل بقوة الصبر الذي تعلمه المواطن قسراً. لا فرامل، لا أنوار، لا احترام لأي دفاتر تحملات، ولا حتى لكرامة الناس. مجرد هياكل معدنية متهالكة، تئنّ تحت وطأة الإهمال، وتمرّ يومياً بجانب سلطة غائبة، ومجلس جماعي يُمارس فن التجاهل كأنه طقس سياسي مقدّس.
ثم نأتي إلى العقد، حيث بلغ العبث قمته. نائب رئيس الجماعة يوقّع على اتفاق يُسلَّم بموجبه ثلاثة مليارات من مال الجماعة إلى هذه الشركة ( أبلى أخبار الرئيس وزملائه المستشارين منو لراسو)، وكأننا في حفل تكريم للذين أبدعوا في تحطيم الأعصاب. لا مراجعة للإنجاز، لا تقييم للخدمة، لا إشارة إلى أن الشركة لم تُنفذ حتى خمسة في المائة من التزاماتها. فقط توقيع أنيق على ورقة تُجهض ما تبقّى من أمل في مدينة تستحق أن تُعامَل بجدية، لا بتواطؤ.
وهكذا، يظهر التحكيم كوسيلة لإضافة مليار آخر إلى جائزة العبث، فتتحوّل المدينة إلى مموّل رسمي للفشل، في زمن تتكالب فيه الأحياء على الإنارة، وتُنازع الأرصفة على الحق في التبليط. أين جلسة طارئة توقف هذا النزيف؟ أين الصراخ السياسي في وجه ما يحدث؟ لا شيء. المجلس الجماعي يُشبه بيت أشباح: أبوابه مفتوحة لكن لا أحد داخله يتكلم. المستشارون اختاروا الصمت، أو أُجبروا عليه، وبعضهم صار أثاثاً سياسياً، يُستخدم عند اللزوم، ويُركن عند الطوارئ.
أما السلطة، فاختارت زاوية غامضة للمراقبة. تُشاهد بصمت، كمن يراقب مباراة خاسرة ويأمل في تعادل مستحيل. العين الرسمية فقدت حدة النظر، تُشبه كاميرا مراقبة تُسجل الحدث ولا تتدخل فيه. كيف يُفَسَّر هذا الغياب؟ هل هو جزء من صفقة أكبر؟ هل أصبح المال العام بلا حارس، بلا ضمير، بلا أي اعتبار لحق الناس في التنقل دون أن يُمارس عليهم العنف اليومي على عجلات صدئة؟
وجدة لا تطلب خدمات سويسرية. تريد فقط أن تتحرّك دون خوف، أن تركب حافلة لا تثير الشكوك في سلامتها، أن تُعامل كمجتمع يستحق الحياة، لا كزبون دائم في مسرحية الرداءة. أربعة مليارات تكفي لإنارة المدينة كلها، لتزفيت كل شوارعها، ولردم كل حفرها التي تعادل عدد ساكنتها، ولزرع بذور كرامة في كل حي فيها. لكنها صارت مكافأة تُمنح لشركة لا تُجيد سوى صناعة الأعذار، وغرس الخيبات.
المواطن الوجدي لا يُطالب بالمستحيل. يطالب فقط أن لا تُسلَّم أمواله لمن جرّع مدينته الويلات. يطالب فقط أن يُسمع صوت العقل، وأن يُحاسَب من قرّر أن يوقّع على الكارثة بمباركة رسمية. وجدة لم تعد مدينة تُعاني من أزمة نقل، بل من أزمة إدارة، من أزمة خجل، من أزمة نخبة تُجيد الغياب أكثر مما تُجيد العمل.
هذا المقال لا يخاطب شركة، ولا مجلساً، ولا سلطة. إنه يخاطب الوجدي الذي يركب الحافلة كل يوم، ويعلم أنه يعيش عبثاً مغلّفاً بورقة رسمية. يخاطب الكرامة التي تُدهس تحت المقعد الخلفي، يخاطب الضمير الذي اختار الاستقالة، والمدينة التي تُقاوم الزوال بالحزن اليومي.
وجدة تُعاني من سياسة لا ترى، من مسؤولين لا يسمعون، من شركة لا تُبالي، ومن عقد يُكافئ من أخفق. وجدة تُنازع تحت عجلات عقد مريب، ومستشارين بلا موقف، وسلطة بلا صوت.
وجدة، ببساطة، تسير نحو الهاوية… لكن هذه المرة على متن حافلات موبيليس المهترئة ؟؟
تصبحون على خير.. .







