Notice: Undefined index: HTTP_ACCEPT in /home1/respress/public_html/wp-content/plugins/any-mobile-theme-switcher/any-mobile-theme-switcher.php on line 117
درس الخليج المرير: عندما تصبح القواعد الأمريكية عبئاً لا درعاً - رسبريس - Respress

درس الخليج المرير: عندما تصبح القواعد الأمريكية عبئاً لا درعاً

admin
2026-03-15T02:43:52+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin15 مارس 2026آخر تحديث : منذ 10 ساعات
درس الخليج المرير: عندما تصبح القواعد الأمريكية عبئاً لا درعاً
  • مصطفى قشنني

في خضم الصخب الذي يثيره ترامب في المنطقة، يقفز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: لمن تصلح القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج؟ هل هي حصون تحمي أم فخاخ تستدرج؟ لقد شهدنا خلال الأسابيع الماضية مشهداً دراماتيكياً بامتياز، رجل أعمال ثري يتخذ من البيت الأبيض مقراً له، يحرك حاملات الطائرات والمقاتلات وكأنها بيادق على رقعة شطرنج، ليس دفاعاً عن حلفائه في الخليج، ولا استجابة لتهديد مباشر يحدق بهم، بل لمجرد إرضاء نزوة قائد متطرف في تل أبيب يتوق لسفك الدماء العربية والإسلامية تحت أي ذريعة.

الغريب في الأمر ليس اندفاعة ترامب المتهورة، فهذا سلوك معروف للرجل الذي يدير السياسة الخارجية كما يدير صفقاته العقارية، لكن الغريب حقاً هو ذلك الصمت المطبق الذي يخيم على عواصم الخليج والعرب، أولئك الذين يفترض أنهم الحلفاء الأساسيون، والذين دفعوا ثمناً باهظاً لاستضافة تلك القواعد لعقود. أين معاهدات الدفاع المشترك؟ أين بنود الحماية التي كانت تبرر إنفاق المليارات على تسليح الجيوش واستضافة القوات الأجنبية؟ ها هي الحرب تشتعل على مرأى ومسمع من الجميع، والقواعد الأمريكية هناك، ثابتة كالتماثيل، لا تتحرك إلا عندما تلوح إسرائيل بمخاطر وجودية وهمية، أما عندما يكون الخليج في مرمى النيران، فتلك قصة أخرى.

لقد وصلنا إلى نقطة انقلاب مأساوية في مفهوم التحالفات الدولية. صرنا أمام مشهد عبثي بامتياز: الدول الخليجية باتت تدافع عن القواعد الأمريكية لا العكس. تقدم التنازلات تلو التنازلات، تتغاضى عن الاستفزازات، تدفع الفواتير الباهظة، فقط لكي تظل قوات العم سام موجودة على أرضها، وكأن الوجود ذاته أصبح غاية وليس وسيلة للحماية. ثم يأتي ترامب في لحظة حاسمة ليعلن للعالم أن أولوياته واضحة: إسرائيل أولاً، إسرائيل آخراً، والباقي مجرد زبائن في متجر سياسي كبير، يدفعون ثمناً باهظاً للحصول على وهم الأمان.

والأكثر إيلاماً أن ترامب جمع تريليونات الدولارات من دول المنطقة خلال سنوات قليلة. أموال طائلة ذهبت إلى خزائن شركاته وأصدقائه وصفقات السلاح التي لا تنتهي. ثم ها هو يشن حرباً متهوّرة لا تستند إلى أي سند استراتيجي أمريكي حقيقي، لم يقرها الكونغرس، لم تدرس بعناية عواقبها، لم تحظ بإجماع المؤسسة العسكرية الأمريكية العريقة. إنها حرب شخصية، حرب نزوة، حرب مزاج، لكنها في العمق حرب من أجل إسرائيل، ذاك الكيان الذي استطاع عبر عقود من اللوبيات المنظمة أن يحول السياسة الأمريكية إلى مجرد ذراع طويلة لتنفيذ مخططاته التوسعية.

إنه درس بليغ لكل من يظن أن الحماية تأتي من الخارج. الدروس تتوالى، والكوارث تتكاثر، ومع ذلك يصر البعض على تجاهل التاريخ. من حرب الخليج الأولى إلى حروب العراق وأفغانستان، مروراً بكل الموجات الثورية والاضطرابات الإقليمية، كانت القواعد الأمريكية موجودة، لكنها لم تحم أحداً يوماً من أي خطر حقيقي. بل على العكس، كثيراً ما كانت تلك القواعد نفسها سبباً في استعداء القوى الإقليمية، وجعل المنطقة ساحة لتصفية الحسابات الدولية. لقد أصبحت دول الخليج رهائن لوجود عسكري أجنبي، بدل أن تكون سيدة قرارها، وبدل أن تتحول قواعدها إلى قواعد حقيقية للانطلاق نحو تنمية ذاتية ومناعة وطنية صلبة.

الولايات المتحدة ليست صديقة لأحد، هي حليفة مصالحها فقط. هذا درس قديم جديد. وإسرائيل تتفوق في استغلال هذا الدرس، لأنها تعرف كيف تقدم نفسها كجزء لا يتجزأ من تلك المصالح، بل كجوهرها ومركز ثقلها. أما الدول العربية فغالباً ما تقدم نفسها كورقة مساومة، أو كبيدق يمكن التضحية به في أي لحظة. الفارق أن إسرائيل تمتلك لوبياتها في واشنطن، وتمتلك إعلامها، وتمتلك صورتها الذهنية المصاغة بعناية، بينما تمتلك الدول العربية مجرد قواعد عسكرية وثروات نفطية تغري به شراسة الطامعين.

بصوت هادئ أقول:كل شيء يبدأ من الداخل. تلك القواعد الصامتة التي تتربص بنا في سهولنا وصحارينا، لن تتحول إلى دروع حقيقية إلا حين نستوعب أن المعركة الحقيقية ليست مع ترامب أو نتنياهو أو أي متغطرس خارجي، بل مع ذاتنا المهزومة التي لا تزال تبحث عن أوهام الحماية في أحضان الغير. الدرس الأكبر الذي يقدمه هذا المشهد المأساوي هو أن الاستقلال الحقيقي لا يمنح، ولا يشترى بأغلى الأثمان، بل ينتزع من رحم وعي جماعي يستعيد ثقته بنفسه، ويؤمن أن قوته في وحدته، وأن مناعته في ترابط شعبه مع قيادته في مشروع وطني واضح المعالم.

ما نحتاجه اليوم ليس مجرد مراجعة للتحالفات، بل ثورة في طريقة تفكيرنا في الأمن والوجود. نحتاج أن ندرك أن بناء الجيوش القوية يبدأ ببناء الإنسان القوي، الواعي، الحر. يبدأ بمنظومة تعليم تبني عقولاً ناقدة لا تابعة، وإعلاماً يفضح الأكاذيب قبل أن تصل إلينا، وديمقراطية حقيقية تجعل من الشريك الحقيقي في الدفاع عن الوطن هو المواطن، لا القوات الأجنبية. حين نصنع بندقيتنا، وندير ثرواتنا، ونحمي قرارنا السيادي، سندرك أن تلك القواعد لم تكن أكثر من وهم كبير، وأن قوتنا الحقيقية كانت كامنة فينا طوال الوقت، تنتظر من يوقظها. الخيار لنا: إما الاستمرار في الوهم، أو البدء اليوم في كتابة تاريخ جديد نصنعه بأيدينا لا بأيدي غيرنا. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.