صدقوني السياحة في المغرب “أجمل بلد في العالم” تدعو إلى النياحة..؟

admin
2025-08-20T19:08:47+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin20 أغسطس 2025آخر تحديث : منذ 7 أشهر
صدقوني السياحة في المغرب “أجمل بلد في العالم” تدعو إلى النياحة..؟
  • مصطفى قشنني

في المغرب، لا تحتاج إلى عدسة مكبرة لتكتشف أن السياحة لم تعد تجربة ممتعة وجيّدة، بل أصبحت مغامرة محفوفة بالمفاجآت غير السارة وأسوأ العواقب. من لحظة الهبوط في المطار – إذا كنت زائرا -، تبدأ سلسلة من الاختبارات النفسية والمالية، حيث يُستقبل الزائر، سواء كان سائحًا أجنبيًا أو مغربيًا مقيمًا بالخارج، بمنطق “ادفع ثم نقرر إن كنت تستحق الخدمة”.

الكاتب الطاهر بنجلون، في مقال لاذع صدر مؤخرا في إحدى وسائل الإعلام الشهيرة في فرنسا، لم يكتف بوصف الواقع، بل فضحه. تحدث عن الأسعار التي تجاوزت حدود المعقول، عن المقاهي “العصرية” التي تبيع وجبة خفيفة بسعر وجبة فاخرة في باريس ولندن وبرلين، وعن مطاعم تمارس النصب العلني تحت غطاء الحداثة. كل شيء في المغرب بات يُقاس بالدرهم، لا بالجودة، ولا بالكرم، ولا حتى بالحد الأدنى من الاحترام.

الزائر الذي يقرر قضاء عطلة قصيرة في المغرب عليه أن يهيئ نفسه نفسيًا وماليًا. سعر تذكرة الطيران قد يوازي رحلة إلى شرق آسيا، أو إلى المريخ إن كنت قادما من كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية…، وعبور خط الجزيرة الخضراء نحو ميناء طنجة المتوسط أصبح مغامرة مالية بامتياز تُكلّفك الكثير. الفنادق، حتى تلك التي لا تملك تصنيفًا سياحيًا محترمًا، تفرض أسعارًا خيالية مقابل خدمات بئيسة، وغرف بالكاد تصلح لإقامة الحيوانات.

في المدن السياحية، لا أحد يرحم الزائر. قنينة ماء صغيرة قد  تُباع بثمن وجبة كاملة في إسطنبول، ودجاجة مشوية في مطعم شعبي نتن في السعيدية قد تكلفك نصف راتب موظف بسيط. أما القهوة، فهي تُقدم مع فاتورة تُشبه غرامة مرورية، لا مع ابتسامة ترحيب. كل شيء يُباع، حتى الهواء، حتى الصمت، حتى الجلوس حتى الوقوف الإضطراري بالسيارة قد يكلفك الآداء لأصحاب السترات الصفراء المُدجّجين بالهراوات الغليظة ناهيك عن الشحاذين والبؤساء الذين يتربّصون بك عند ملتقيات الطرق وعند إشارات المرور منهم من يحمل بين يديه صبي أو صبية أو حتى دُمية ومنهم من يحمل منشفة يدوية وعلبة صابون يتوسّل تنظيف الزجاج الأمامي لسيارتك ومنهم من يعرض عليك المناديل الورقية “كلينيكس” ومنهم من يستعرض عليك عاهته ومنهم ومنهم ومنهم….

الوزارة المكلفة بالسياحة تكتفي بالترويج، وكأنها وكالة إعلانات لا علاقة لها بالواقع. مهرجانات، فيديوهات دعائية، حملات تسويقية في مختلف بلاد العالم حتى تلك الغير موجودة على الخريطة، لكن لا أحد يتحدث عن الجودة، عن التنظيم، عن المراقبة. لا أحد يسأل لماذا يفضل السائح الأجنبي تركيا أو اليونان أو اسبانيا، رغم أن المغرب يملك من المؤهلات الطبيعية والتاريخية ما يجعله وجهة عالمية بإمتياز.

الخلل ليس في الطبيعة، بل في البشر. في العقليات التي ترى في الزائر فرصة للربح السريع، لا تجربة يجب أن تُحترم. في أصحاب المطاعم الذين يرفعون الأسعار بلا مبرر، في سائقي سيارات الأجرة الذين يميزون بين الزبائن حسب العملة، في أصحاب الفنادق الذين يعتقدون أن صورة النخيل والرمال الذهبية  على الحائط تكفي لتبرير سعر الغرفة.

الأنكى أن العاملين في هذه القطاعات يتقاضون أجورًا هزيلة جدا، لا تواكب جنون الأسعار. النادل الذي يقدم لك قهوة بـ100 درهم، لا يملك ثمنها. العامل الذي ينظف غرفتك في الفندق لا يستطيع أن يحجز فيها ليلة واحدة مقابل أجره الشهري كاملا. إنها مفارقة صارخة وعجيبة، تكشف أن الربح لا يُوزع، بل يُكدّس في جيوب قلة لا تعرف معنى المواطنة.

الليبرالية الاقتصادية المتوحّشة تُمارس هنا بلا ضوابط. السوق مفتوح لمختلف أشكال وألوان الشناقة والسماسرة والمفترسين، لكن الرقابة غائبة. من أراد أن يفتح مطعمًا أو مقهى أو عربة طعام (كاسكروط)، يفعل ذلك بلا ترخيص، بلا شروط صحية، بلا احترام للقانون. المواطن يُترك فريسة للصدفة، والسائح يُعامل كصراف آلي متنقل. لا أحد يسأل عن سلامة الغذاء، عن نظافة المكان، عن جودة الخدمة.

في هذا السياق، لا غرابة أن يتراجع عدد المغاربة المقيمين بالخارج الذين يختارون قضاء عطلتهم في بلدهم. بعضهم يفضل إسبانيا أو تركيا، حيث الأسعار منطقية ( كيف المشتى كيف الصيف)، والخدمات محترمة، والكرامة محفوظة. أما في المغرب، فالعطلة تتحول إلى اختبار للقدرة على التحمل، على الصبر، على التنازل عن أبسط الحقوق.

كل هذا يحدث في ظل صمت رسمي، وتواطؤ اجتماعي، وغياب شبه كامل لجمعيات حماية المستهلك. لا أحد يُحاسب، لا أحد يُراقب، لا أحد يُدافع عن المواطن البسيط. الإعلام يتحدث عن السياحة كرقم، كإحصاء، لكن لا أحد يسأل عن التجربة، عن الانطباع، عن الأثر النفسي والمالي الذي يتركه هذا الواقع.

المغرب بسرعتين؟ نعم، كما قال جلالة الملك. لكن السرعتين ليستا في التنمية، بل في الاستغلال. هناك من يربح بسرعة، وهناك من يُسحق ببطء. هناك من يملك القرار، وهناك من يُجبر على التعايش مع الفوضى. إنها قضية أخلاقية قبل أن تكون اقتصادية، قضية قيم قبل أن تكون أرقامًا.

السياحة ليست فقط مناظر طبيعية خلابة وشلالات ووديان وجبال وسهول…، بل هي منظومة متكاملة من الخدمات، من الاحترام، من التنظيم. والمغرب، إن أراد أن يكون فعلاً وجهة عالمية، فعليه أن يبدأ من الداخل، من المواطن، من العامل، من السائح، من كل من يجعل هذه التجربة ممكنة.

لا يكفي أن نرفع الشعارات، أن ننتج فيديوهات، أن ننظم مهرجانات. المطلوب هو مراجعة جذرية للسياسات، هو تفعيل الرقابة، هو احترام الزائر، هو حماية المواطن. لأن من لا يحترم أبناءه، لن يُقنع الغرباء بالبقاء.

وإلى أن يحدث ذلك،-  رغم أن رئيس حكومته يُفضّل قضاء عطلته في سيردينيا الإيطالية بعيدا عن صداع الرأس – ، سيظل المغرب وجهة سياحية محتملة، لا مفضلة. وسيظل الزائر يتساءل: هل يستحق “أجمل بلد في العالم” كل هذا العناء؟

أتمنى أن لا أكون مخطئا أو مبالغا فيما أقول ..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات 9 تعليقات

  • RéflexionRéflexion

    Ce qui devait être richesse et fierté nationale devient aujourd’hui un monstre qui ronge le pays.
    Certes , il faut penser ,repenser , sanctionner. Et CE, POUR …..
    ………
    .Bonne continuation

  • FleurFleur

    Vous ne vous trompez pas cher valeureux journaliste !!!!
    Le plus beau pays du monde, jadis vitrine de rêve, voit aujourd’hui son tourisme se transformer en fardeau qui vide les poches et précipite son déclin.

    Qu’ALLAH bénisse ,grand journaliste ,vos doigts, messagers d ‘une vérité touchant le cœur.

  • متتبع للشأن الوطنيمتتبع للشأن الوطني

    مقال يشفي الغليل انت تتحدث بإسم الشعب لست مخطئا فيما تقول

    • مواطنةمواطنة

      لقد صدقت و.
      لست مخطئًا أيها الصحفي الشهم فقد تحولت السياحة، في أجمل بلد في العالم، من نافذة على الجمال والبهجة إلى عبء ينهش جيوب المواطن والزائر معًا. لقد صار الحلم السياحي، الذي كان يُفترض أن يكون جسراً للتلاقي ورافعة للاقتصاد، مجرد وهمٍ يثقل الكاهل ويُسرّع وتيرة الانهيار. وما بين جمال الأرض ومرارة الواقع، يبقى السؤال معلقًا: كيف لبلدٍ بهذه الروعة أن يُترك لمصيرٍ يسلب منه بريقه أمام أعين العالم.
      أين الحساب و الرقيب ؟؟؟؟؟

  • صاحب وكالة اسفارصاحب وكالة اسفار

    والله لست مخطئا ولا مبالغا فيما تقول دكتور..كلامك عين العقل بل هو العقل كله تحياتي لقلمك النظيف

    • مطرمطر

      حفظ الله أناملك التي تجري على الورق كالنور، تنسج من الحروف بيانًا صادقًا يضيء القلوب، ويحيي الكلمات كأنها حدائق من جمال. فما تكتبه يبعث الأمل، ويمنح للحرف روحًا وللحقيقة صدى لا يخبو.

      أنار الله دربك دكتور قشنيني و ترفع لك القبعة و لأناملك الذهبية!!!

    • مهتم بالمجال السياحيمهتم بالمجال السياحي

      وكأنك تتحدث بلساننا سلمت الأنامل استاذ قشنيني

    • جامعيةجامعية

      اصبحت مدمن على ما ينشر في هذا العمود الرائع شكرا لكم دكتور قشنني

  • محمد عليمحمد علي

    إنه العبث والفوضى التي لم تجد لجام او ناه إنها السيبة والتسيب بدون رقيب و في كل القطاعات..
    الجشع دمر السياحة بل دمر الوطن والمواطن فهل من اذن صاغية أيها السلطات المعنية ؟؟؟