“غطيني يا صفية ما فيش فايدة”: تأملات في يأس فرد من أجل أمة ..

admin
2026-06-11T00:40:14+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin11 يونيو 2026آخر تحديث : منذ 14 ساعة
“غطيني يا صفية ما فيش فايدة”: تأملات في يأس فرد من أجل أمة ..
  • مصطفى قشنني

ليست مجرد كلمة عابرة تلفظ بها زعيم في لحظة ضعف، ولا هي هذيان يائس أفلت من لسان رجل أرهقته المعارك وأتعبه الصراع. إنها، في جوهرها العميق، مرآة تعكس روح أمة بأكملها، أمة وجدت نفسها ذات صباح عارية تحت سماء باردة، لا واقٍ يحميها ولا غطاء يسترها. عندما قال الزعيم الوطني المصري سعد زغلول كلمته الشهيرة “غطيني يا صفية ما فيش فايدة”، لم يكن يخاطب زوجته فقط، بل كان يخاطب التاريخ نفسه، يهمس له في أذن الصامتين: لقد بلغنا من اليأس مبلغًا يجعل حتى المقاومة تبدو بلا معنى. وهنا يكمن السر الأعمق لهذه العبارة: أنها ليست استسلامًا بقدر ما هي اعتراف بفداحة العبء، ليست هزيمة بقدر ما هي صرخة في وجه واقع أظلم من كل كوابيس المقاومة.

فما معنى أن يصل الإنسان، أي إنسان، إلى لحظة يقول فيها “ما فيش فايدة”؟ إنها اللحظة التي ينهار فيها سحر السببية، اللحظة التي يتبخر فيها الأمل من على نار الانتظار، اللحظة التي تثبت فيها التجارب أن كل الأبواب الموصدة تبقى موصدة حتى لو كسرتها بمطرقة الإرادة ألف مرة. هذا هو اليأس الكبير، ليس يأس الجبان الذي لم يجرب، بل يأس المحارب الذي جرب كل شيء فلم يجد إلا المزيد من الجراح. والزعيم المصري، ذلك الرجل الذي قاد ثورة 1919، هز عرش الاحتلال الإنجليزي، ونطق باسم أمة بأكملها، حين بلغ تلك اللحظة الوجودية الفارقة، لم يكن يعلن فشله الشخصي، بل كان يقرأ في كتاب الأمة ما هو مكتوب منذ زمن: أننا أمة تتعب حتى النخاع، ثم تكتشف أن التعب لم يغير شيئًا.

وإذا تعمقنا في نبرة العبارة ، نجدها تحمل في طياتها نقدًا لاذعا لكل هذا الجهد إذا كانت النهاية لا تختلف عن البداية؟ إنها أسئلة المثقف المرهف، أسئلة أيوب وهو يصرخ في وجه السماء: لماذا أنا؟ لكن سعد لم يصرخ في وجه السماء، بل التفت إلى الأرض، إلى “صفية”، إلى الأنثى التي تمثل الحضن الأخير، الدفء المتبقي، الغطاء الوحيد الذي لم يخن. وهنا نلمس عبقرية الصياغة الشعبية: “غطيني” ليست مجرد طلب غطاء جسدي، بل هي استعارة للحماية العاطفية، للإحاطة النفسية، لأن يكون هناك من يخفيك عن عيون العالم التي تريد منك أن تكون دائمًا منتصرًا، دائمًا صامدًا، دائمًا مبتسمًا حتى لو كانت الأحشاء تتقطع.

والمشكلة أن مجتمعاتنا العربية، والمصرية على وجه الخصوص، لا تسمح لرجالها بلحظات الضعف هذه. الرجل فيها إما أسد هصور أو لا شيء. فكيف إذا كان هذا الرجل هو “زعيم الأمة”، رمز الكرامة القومية؟ إن اعتراف سعد بالعجز، بلغة شارعها البسيط المباشر، هو فعل ثوري بحد ذاته. إنه تحطيم لتمثال القائد الخارق، وإعلان أن من يقودنا هو بشر من لحم ودم، يشعر بالبرد فيعشق الغطاء، ويشعر بالإحباط فيعلن “ما فيش فايدة”. وهذا، في مجتمع يعبد الصورة النمطية للزعيم الذي لا يخطئ ولا يكل ولا يمل، هو تمرد على المستوى نفسه، إن لم يكن أعمق، من تمرده على الاحتلال.

ثم تأتينا كلمة “يا صفية”، تحمل كل دفء العلاقة الحميمة، لكنها تحمل أيضًا رمزية أبعد. صفية هي مصر نفسها، هي الأم، هي الحبيبة، هي الحضن الذي يضم الجريح في آخر الليل. سعد لم يقل “غطيني يا شعب” لأن الشعب كان هو سبب التعب أحيانًا، الشعب الذي يتوقع المعجزات ولا يقدم إلا الدموع. لا، قال “يا صفية”، المرأة التي تسند البيت إذا سقط السقف، التي تلملم الجراح إذا انهار الجندي. وفي مخيالنا الجمعي، تبقى المرأة هي آخر حصون الدفاع ضد العبث الكوني. حين يفشل الرجال في تغيير العالم، تبقى المرأة القادرة على تغيير مزاج الرجل ببساطة، بغطاء، بصمت، بحضور لا يحتاج إلى كلمات.

لكن هل “ما فيش فايدة” حقًا؟ هذا هو السؤال الذي يلاحق كل من سمع العبارة ولم يمت من الحسرة. هل كان سعد صادقًا مع نفسه في تلك اللحظة؟ أم أنها لحظة عابرة من الإرهاق، سرعان ما انقشعت بعد نومة قصيرة وكأس ماء بارد؟ التاريخ لا يخبرنا، لكن حدسنا يقول إن من وصل إلى تلك القمة من الوعي لا يمكنه التراجع عنها ببساطة. يبقى اليأس ندبة في الروح، حتى لو واصل الإنسان المشي على الطريق. فسعد نفسه، بعد “غطيني”، قام وكافح من جديد، لكنه قام وهو يعلم يقينًا أن “الفايدة” ربما لن تأتي، وأن كل ما يفعله هو واجب أمام ضميره وليس أمام نتيجة مضمونة. وهذه هي المأساة الحقيقية للإنسان العظيم: أن يعمل بلا أمل، وأن يناضل بلا يقين بالنتيجة، وأن يطلب الغطاء في لحظة ثم يخلعه في الأخرى لأنه يعلم أنه لا غطاء سوى وهم الغطاء.

في عالمنا المعاصر، حيث تكاثرت الأزمات وتشابكت المصالح وتلاشت الأحلام الكبرى، تبدو “ما فيش فايدة” لسان حال جيل بأكمله. جيل  الخذلان، والأحلام التي سرقت منه، والشعارات التي تبين أنها أوهام. حين تنظر إلى شاب عربي اليوم، يحمل شهادة جامعية ولا يجد عملاً، يحلم ببيت ولا يملك ثمن قالب سكر، يبحث عن حب فلا يجد إلا صورًا على شاشة هاتف، حين تنظر إليه تجد “ما فيش فايدة” موشومة على جبينه قبل لسانه. لكن الفرق أن سعد زغلول كان يملك صفية تلفه بغطائها، أما اليوم فالصفيات كثيرات لكن الغطاء صار ثقيلاً، والحضن صار باردًا، والجميع يشعر بالبرد نفسه فلا أحد يستطيع تدفئة أحد.

عبارة سعد زغلول تعلمنا شيئًا عميقًا عن القيادة الإنسانية: أن أقوى القادة ليسوا من يخفون ضعفهم، بل من يعلنونه بجرأة. لأن إعلان الضعف يحتاج قوة لا يملكها إلا من جرب القمم والهاويات. وتعلمنا أيضًا أن اليأس ليس نقيض الأمل كما نتصور، بل هو وجهه الآخر، توأمه السيامي. فمن لم ييأس بعمق، لا يمكنه أن يأمل بصدق. ومن لم يقل “ما فيش فايدة” في لحظة صراحة وجودية، يظل أسير وهم أن كل شيء تحت السيطرة.

نعم، غطينا يا صفية، فالبرد قارس. والأجواء لا تحتمل مزيدًا من العراء. غطينا بأي شيء: بقطعة قماش قديمة، بذكرى حلم مات، بقناعة أننا فعلنا ما علينا، وبأمل صغير بأن الغد قد يكون أقل قسوة. غطينا، لأننا تعبنا من البحث عن “الفايدة” التي لم نجدها في السياسة، ولا في رجال الدين، ولا في المال، ولا في الحب…. غطينا، ولنترك العالم يصرخ في الخارج، فمنذ سمعنا صرخته الأولى أدركنا أنها لا تستحق كل هذا التعب.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات تعليقان

  • FleurFleur

    C est à la fois émouvant et profond.
    même les plus grands hommes connaissent des moments de doute et de faiblesse. J’ai apprécié la réflexion sur le rapport entre l’espoir et le désespoir, même si je pense qu’il ne faut jamais cesser de croire en la possibilité du CHANGEMENT Malgré les difficultés, de l’espoir ,
    cher journaliste, !!!
    Toute ma considération GRAND JOURNALISTE.. et mille chapeaux

  • مواطنمواطن

    لقد أعجبتني بصورة خاصة الفكرة التي تقول إن «من لم ييأس بعمق، لا يمكنه أن يأمل بصدق»، لأنها تكشف العلاقة المعقدة بين التجربتين، وتجعل الأمل أكثر نضجًا وأقل سذاجة. ومع ذلك، يبقى الأمل في نظري ليس مجرد وهم جميل نختبئ خلفه، بل قوة تدفع الإنسان إلى تجاوز حدود الواقع مهما بدا قاسيًا.
    إن المقال يلامس وجعًا إنسانيًا مشتركا. تحياتي للأنامل التي قل نظيرها.